في تصريحات أثارت موجة واسعة من الجدل والانتقادات، أعلن السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، مايك هاكابي، أن “الولايات المتحدة لديها حلفاء وأصدقاء في الشرق الأوسط، لكن إسرائيل هي الشريك الحقيقي الوحيد لها”.

هذا التصريح، الذي يأتي في وقت تشن فيه إسرائيل حرب إبادة مفتوحة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يعكس بوضوح التحوّل العميق في الرؤية الأمريكية للمنطقة، ويكشف حجم الدعم السياسي والأيديولوجي غير المشروط الذي تحظى به تل أبيب داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.

شراكة غير مشروطة تتجاوز حدود التحالف التقليدي

تصريحات هاكابي لم تقف عند التأكيد على متانة العلاقة، بل تجاوزت ذلك إلى تبرير أي خطوات أحادية قد تتخذها إسرائيل، إذ قال بوضوح إن “واشنطن لن تملي على إسرائيل ما يمكنها فعله أو لا يمكنها فعله، تماما كما لا نتوقع من إسرائيل أن تملي علينا قراراتنا”. بهذه اللغة، منح السفير الأمريكي إسرائيل ضوءا أخضر مسبقا للتحرك في أي اتجاه تريده، بما في ذلك ضم الضفة الغربية المحتلة، حين أجاب عن سؤال حول موقف بلاده من هذه الخطوة بالقول: “نحن نحترم إسرائيل كدولة ذات سيادة”.

هذا التصريح يتناقض جذريًا مع الموقف الأمريكي المعلن تاريخيًا الداعم لحل الدولتين، ويشير إلى تآكل ما تبقى من التزامات واشنطن الشكلية تجاه الحقوق الفلسطينية، وتحول العلاقة مع إسرائيل من كونها تحالفًا قائمًا على المصالح المتبادلة، إلى شراكة أيديولوجية وسياسية مطلقة لا تقبل النقد أو المراجعة.

إلغاء الضفة الغربية وتقديس الاحتلال

من اللافت أن هاكابي لم يكتفِ بالدفاع السياسي عن إسرائيل، بل انخرط في تبرير روايتها التاريخية المزيفة، حيث رفض استخدام مصطلح “الضفة الغربية” واعتبره “غير دقيق ومنفصلًا عن السياق التاريخي”، زاعمًا أن التسمية الصحيحة هي “يهودا والسامرة”، وهو المصطلح الذي تستخدمه المؤسسة الاستيطانية الإسرائيلية لتبرير احتلالها للأراضي الفلسطينية، بزعم أنها “أراضٍ توراتية” تعود لآلاف السنين.

بهذا التصريح، يسعى الدبلوماسي الأمريكي إلى نزع الشرعية اللغوية والسياسية عن الوجود الفلسطيني نفسه، في خطوة تكشف تماهيا خطيرا مع خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يعمل منذ سنوات على محو الهوية الفلسطينية وطمس مصطلحاتها من السرد الدولي. ويزداد هذا التماهي وضوحا عندما يؤكد أن “الولايات المتحدة ترى القدس عاصمة أبدية وغير قابلة للتقسيم للدولة اليهودية”، وهو الموقف الذي أرساه الرئيس السابق دونالد ترامب بإعلانه في ديسمبر/كانون الأول 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها.

مواجهة الاعتراف الدولي بفلسطين.. والانحياز الأعمى

وفي رده على مساعي المجتمع الدولي للاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة، قال هاكابي إن واشنطن “تدعو الحكومات إلى الامتناع عن هذا المسار”، واعتبر أن الاعتراف بدولة فلسطينية “يخلّ باتفاقيات أوسلو”، مضيفا: “هذا لن يؤدي إلى أي مكان، هذا لن يخلق دولة فلسطينية”. هذا الموقف يمثل محاولة لفرض وصاية أمريكية على القرار الدولي، ويظهر كيف تحولت واشنطن من وسيط مزعوم إلى طرف معادٍ صريح لأي محاولة لإحقاق الحقوق الفلسطينية عبر المسارات القانونية والدبلوماسية.

ويكشف هذا الموقف أيضًا عن سعي الإدارة الأمريكية لعرقلة أي جهد قانوني أو أممي قد يحدّ من تفوق إسرائيل الإقليمي، ويؤكد انحيازها التام للرواية الصهيونية حتى وإن تعارضت مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد أن الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ 1967 هي أراضٍ فلسطينية محتلة.

دعم عربدة الاحتلال واستعلائه في المنطقة

تأتي هذه التصريحات في سياق بالغ الخطورة، حيث تواصل إسرائيل حرب الإبادة في قطاع غزة، التي أسفرت حتى الآن عن استشهاد أكثر من 64 ألفًا و964 فلسطينيا، وإصابة 165 ألفًا و312 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن المجاعة التي أزهقت أرواح 428 فلسطينيًا بينهم 146 طفلًا، وفق تقارير رسمية فلسطينية وأممية. وفي الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، صعّدت قوات الاحتلال والمستوطنون اعتداءاتهم، ما أدى إلى استشهاد 1040 فلسطينيا وإصابة أكثر من 10 آلاف و160، واعتقال أكثر من 19 ألفًا.

بدلًا من الضغط على إسرائيل لوقف هذه الجرائم، تواصل واشنطن تزويدها بالسلاح والدعم السياسي والدبلوماسي، وتستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإفشال أي قرار يدعو لوقف إطلاق النار أو محاسبة الاحتلال على جرائمه، مما يشجع إسرائيل على المضي قدمًا في سياساتها الاستعلائية والعربدة العسكرية في المنطقة بلا أي رادع.

خاتمة: شراكة على حساب استقرار المنطقة وحقوق الشعوب

تصريحات هاكابي تكشف أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود “التحالف الإستراتيجي” إلى مستوى “الشراكة الأيديولوجية المطلقة”، حيث باتت إسرائيل تُعامل باعتبارها الامتداد الطبيعي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بينما تُعامل بقية دول المنطقة كـ”حلفاء مشروطين” لا يحظون بالثقة الكاملة. وهذا النهج لا يهدد فقط حقوق الشعب الفلسطيني، بل يقوض أي إمكانية لاستقرار حقيقي في المنطقة، إذ يمنح الاحتلال تفويضًا مفتوحًا للاستمرار في الاستيطان والتوسع والعدوان، ويزرع بذور انفجارات قادمة قد لا تقتصر على فلسطين وحدها، بل تمتد لتشعل المنطقة بأكملها.

اقرأ أيضًا : قصف غير مسبوق.. الاحتلال يكثّف غاراته على قطاع غزة