عادت السجون المصرية مجددًا إلى واجهة الجدل الحقوقي بعد تسريب تقارير تكشف عن تعرض وزير التموين الأسبق باسم عودة، المعروف بلقب “وزير الغلابة”، لاعتداء جسدي ولفظي من قبل ضابط الأمن الوطني العقيد أحمد فكري داخل محبسه بسجن بدر 3. 

الحادثة التي وثقتها الشبكة المصرية لحقوق الإنسان سلطت الضوء مجددًا على واقع الانتهاكات الممنهجة بحق المعتقلين السياسيين في مصر، لتكشف حجم التنكيل الذي يتعرض له السجناء داخل منظومة طالما روج لها النظام على أنها “إصلاحية”.

تفاصيل الاعتداء: قمع تحت ذريعة الإضراب

بحسب بيان الشبكة الحقوقية، اقتحم العقيد أحمد فكري زنزانة باسم عودة واعتدى عليه بالضرب والتهديد المباشر لإجباره على إنهاء إضرابه عن الطعام، والذي يخوضه مع عشرات المعتقلين احتجاجًا على ما وصفوه بحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية.

لم يتوقف الأمر عند الاعتداء الجسدي، بل وصل إلى إطلاق تهديدات بجعل سجن بدر 3 “أسوأ من سجن العقرب”، في إشارة صادمة إلى السجن سيئ السمعة الذي أُغلق قبل عامين بعد أن صار رمزًا للتعذيب والإهمال الطبي والوفاة البطيئة.

الرسالة المسربة من داخل القطاع (2) بالسجن أكدت أن المعتقلين يعيشون “موتًا بطيئًا” جراء العزل الانفرادي والحرمان من الزيارات والرعاية الطبية، في ظل سياسة ممنهجة لإجبارهم على الاستسلام.

باسم عودة.. وزير الغلابة خلف القضبان

اسم باسم عودة ارتبط في ذاكرة المصريين بواحدة من أنجح تجارب وزارة التموين بعد ثورة يناير. خلال توليه المنصب عام 2012، أشرف على إصلاحات جوهرية في ملفي الخبز والوقود لاقت إشادة واسعة من المواطنين، ليُلقب بـ”وزير الغلابة”. لكن مسيرته توقفت فجأة عقب انقلاب تموز/يوليو 2013، إذ اعتُقل ضمن حملة استهداف قادة حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي، وحُوكم في قضايا سياسية وصفها مراقبون بأنها تفتقر إلى أدنى ضمانات العدالة.

منذ ذلك الحين، يقضي عودة أحكامًا بالسجن المشدد في ظروف وُصفت بأنها أقسى حتى من “العقرب” سيئ السمعة، في ظل عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي.

سجن بدر 3.. العقرب الجديد

عند افتتاحه في كانون الأول/ديسمبر 2021، روجت السلطات لسجن بدر 3 باعتباره نموذجًا عصريًا “للإصلاح والتأهيل”، لكن الواقع كشف عكس ذلك. تقارير حقوقية محلية ودولية وثقت انتهاكات متكررة داخله، شملت:

  • الحرمان من الزيارات لفترات طويلة.
  • منع التواصل مع المحامين.
  • الإخفاء المتعمد للمعلومات عن ذوي السجناء.
  • الإهمال الطبي الذي أدى لتدهور حالات صحية خطيرة.
  • الحبس الانفرادي المطول والتفتيش القمعي المتكرر.

هذه الانتهاكات دفعت ناشطين إلى وصفه بأنه “العقرب الجديد”، في إشارة إلى استنساخ أدوات القمع مع تغيير الواجهة الدعائية فقط.

الداخلية ترد.. والرواية الرسمية تتهاوى

في مواجهة الغضب الحقوقي، أصدرت وزارة الداخلية المصرية بيانًا نفت فيه صحة التقارير، مؤكدة أن باسم عودة “غير مضرب عن الطعام” وأنه “يحظى بمعاملة قانونية كاملة”. الوزارة وصفت ما نشرته الشبكة المصرية بأنه “ادعاءات كاذبة” تقف وراءها جماعة الإخوان المسلمين لكسب تعاطف دولي.

غير أن هذه الرواية الرسمية سرعان ما واجهت تشكيكًا واسعًا، خاصة مع شهادات ناشطين ومعتقلين سابقين، مثل أحمد دومة، الذي أكد أن العقيد أحمد فكري متورط منذ سنوات في ممارسات تعذيب وحرمان من العلاج طالت شخصيات بارزة مثل علاء عبد الفتاح والصحافي محمد إبراهيم (أكسجين) والأكاديمي أحمد سمير.

البعد القانوني والحقوقي

من الناحية القانونية، يشكل الاعتداء على باسم عودة، وفق الحقوقيين، خرقًا واضحًا للدستور المصري الذي يحظر التعذيب والمعاملة القاسية. كما أنه يمثل انتهاكًا صريحًا للاتفاقيات الدولية التي التزمت بها مصر، وفي مقدمتها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.

ووفق معايير القانون الدولي، قد ترقى هذه الانتهاكات، إذا ما استمرت بشكل واسع ومنهجي، إلى مستوى “الجرائم ضد الإنسانية”، بما يضع السلطات المصرية في دائرة المساءلة أمام المجتمع الدولي.

دعوات للتحقيق وتحذيرات من الإفلات من العقاب

الشبكة المصرية لحقوق الإنسان طالبت النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل ومستقل في واقعة الاعتداء على باسم عودة ومحاسبة المسؤول المباشر، وضمان حقوق السجناء في الرعاية الصحية والتواصل مع ذويهم وحضور جلساتهم القضائية. وحذرت من أن استمرار الانتهاكات في سجن بدر 3 يكرس “واقع الإفلات من العقاب”، ويضع الدولة في موقع المسؤولية المباشرة، سواء بالفعل أو التواطؤ.

تنكيل السيسي بالمعتقلين.. نهج مستمر

القضية أعادت إلى الأذهان تقارير سابقة لمنظمة العفو الدولية (2021) التي رصدت أنماطًا متكررة من الحرمان من العلاج وسوء الرعاية الطبية في 16 سجنًا مصريًا، أدت إلى وفيات مأساوية داخل الزنازين. ومع حادثة الاعتداء الأخيرة، يبدو واضحًا أن النظام ماضٍ في سياسة التنكيل بالمعتقلين، ليس فقط كوسيلة عقاب، بل كرسالة ردع لأي صوت معارض.

وبينما يحاول النظام الترويج لخطاب “الإصلاح والتأهيل”، تكشف الوقائع اليومية عن وجه آخر يعكس واقعًا قمعيًا، يُستنسخ فيه “العقرب” داخل بدر، ويُستخدم فيه الاعتقال كأداة سياسية، والتجويع والإهمال الطبي كوسيلة قتل بطيء.

خاتمة: جرح مفتوح أمام العالم

حادثة الاعتداء على باسم عودة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة في سجل السجون المصرية. لكنها تمثل جرس إنذار جديدًا حول طبيعة النظام الذي يرفض أي إصلاح حقيقي، ويصر على تحويل السجون إلى مقابر للأحياء. وبين رواية رسمية تنفي، وشهادات حقوقية تفضح، يبقى المعتقلون السياسيون ضحايا نهج ممنهج من التنكيل والإذلال، فيما يقف المجتمع الدولي مترددًا بين الإدانة الصورية والصمت المطبق، تاركًا السيسي يرسخ “جمهورية الخوف” خلف القضبان.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتواصل: عشرات الشهداء والجرحى في سلسلة مجازر جديدة بغزة