في وقت تتزايد فيه معاناة سكان قطاع غزة تحت الحصار الإسرائيلي، يواصل أسطول الصمود العالمي رحلته البحرية متحديًا المخاطر، ليحمل رسالة إنسانية وسياسية في آن واحد. 

الأسطول الذي انطلق من جزيرة كريت اليونانية، دخل مرحلته الأخيرة باتجاه القطاع، بعد إصلاح أعطال ميكانيكية أصابت بعض سفنه وتسببت في تأجيل رحلته.

ووفق ما أعلنه المنظمون، فإن السفن باتت على بعد نحو 825 كيلومترًا بحريًا من شواطئ غزة، مع توقعات بالوصول خلال خمسة إلى ثمانية أيام، في محاولة لفتح ممر إنساني رغم تهديدات الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة.

 

تهديدات إسرائيلية وتصعيد دولي

لم يمر تقدم الأسطول دون ردود فعل إسرائيلية غاضبة. فقد أعلنت وزارة خارجية الاحتلال أنها ستتخذ “الإجراءات الضرورية” لمنع وصول السفن إلى ما تصفه بـ”منطقة القتال”، مقترحة أن يتم تفريغ المساعدات في ميناء عسقلان بدلًا من غزة. هذا التهديد تزامن مع تذكير العالم بهجوم بمسيّرات تعرض له الأسطول الأسبوع الماضي، ما أثار إدانات واسعة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين دعيا إلى تحقيق مستقل في الاعتداءات، وطالبا بضمان المرور الآمن للسفن.

وفي مواجهة هذه الضغوط، أكدت الناشطة البيئية السويدية غريتا تونبري، إحدى أبرز المشاركات في الرحلة، أن “الهجمات والحرب النفسية وحملات التشويه لن توقف مهمتنا”. مشددة على أن الخطر يتزايد كلما اقتربت السفن من القطاع، لكنها شددت: “لا أشعر بالخوف من إسرائيل”، داعية الدول إلى تحمل مسؤولياتها في حماية الأسطول وضمان وصوله.

انضمام أسطول جديد من صقلية

الحدث الأبرز تزامن مع إعلان اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة إطلاق قافلة جديدة تحت شعار “ألف مادلين نحو غزة” من ميناء سان جيوفاني لي كوتي في مدينة كاتانيا بصقلية الإيطالية. هذه القافلة تضم عشر سفن مدنية تقل حوالي 70 ناشطًا من أكثر من 20 دولة، بينهم تسعة برلمانيين منتخبين من أوروبا والولايات المتحدة، ما يضفي على التحرك طابعًا سياسيًا ورسالة مباشرة لحكوماتهم.

وأكدت اللجنة أن هذه الخطوة تأتي امتدادًا لمسيرات “مادلين” و”حنظلة” والقوارب التي نظمها تحالف أسطول الحرية خلال 15 عامًا من المحاولات لكسر الحصار، والتي تعرضت جميعها لهجمات متكررة من قوات الاحتلال في المياه الدولية. بذلك، يتحول الأسطول من مجرد قافلة إنسانية إلى رمز عالمي للمقاومة المدنية ضد سياسات الاحتلال.

السفينة الليبية عمر المختار تنضم للأسطول

وفي سياق يعزز الرمزية العربية للحراك، التحقت سفينة “عمر المختار” الليبية بالقافلة الدولية. وأوضح المتحدث باسمها، نبيل السوكني، أن السفينة وصلت بعد “رحلة شاقة فرضت عليها تحديات مناخية معقدة وأوضاعًا أمنية متوترة”. وأضاف أنها واجهت تشويشًا متقطعًا على الاتصالات منذ مغادرتها ليبيا، فضلًا عن تحليق طائرات مجهولة الهوية قربها، ما اضطر الطاقم لرفع حالة الطوارئ. ورغم هذه التهديدات، تمكنت السفينة من الالتحاق بالأسطول وسط أجواء ترحيب من بقية المشاركين.

وجود “عمر المختار” يضيف بعدًا تاريخيًا ورمزيًا، إذ يحمل الاسم دلالة على المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي، ليصبح اليوم عنوانًا للمقاومة المدنية ضد الحصار المفروض على غزة.

أبعاد إنسانية وسياسية

ما يميز أسطول الصمود أنه ليس مجرد مبادرة إنسانية لنقل المساعدات، بل صرخة سياسية ضد الصمت الدولي. وجود ناشطين وبرلمانيين من أوروبا وأمريكا إلى جانب شخصيات حقوقية وبيئية يعكس رغبة متنامية لدى قطاعات شعبية في العالم بالتصدي لجرائم الاحتلال، وفضح ازدواجية المعايير الغربية التي تدين العدوان في أماكن أخرى بينما تغض الطرف عن غزة.

كما أن الإعلان عن تحالف “ألف مادلين” يوصل رسالة بأن المبادرات لن تتوقف مهما تعرضت للقمع أو الهجوم، وأن المجتمع المدني العالمي مصمم على تحويل البحر المتوسط إلى ممر تضامني مع غزة، في تحدٍ للهيمنة الإسرائيلية على طرق الملاحة.

معركة الإرادة والصورة

الاحتلال، من جهته، يخشى أكثر ما يخشاه من هذا الأسطول ليس المساعدات ذاتها، وإنما الصورة الإعلامية والسياسية التي ستترسخ عالميًا إذا ما نجحت هذه القوافل في كسر الحصار. فمجرد وصول سفينة واحدة إلى شواطئ غزة يعني اعترافًا دوليًا عمليًا بأن القطاع محاصر ظلمًا، وأن إسرائيل تمنع عنه الغذاء والدواء في خرق واضح للقانون الدولي.

وعلى الجانب الآخر، فإن أي هجوم عسكري جديد على هذه السفن سيضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الرأي العام العالمي، وربما يسرّع مسار عزلتها السياسية المتصاعدة في المحافل الدولية.

خاتمة: البحر كجبهة جديدة للصمود

مع انضمام عشر سفن من صقلية والتحاق “عمر المختار” الليبية، يتحول أسطول الصمود إلى قافلة رمزية كبرى تحمل على متنها آمال الفلسطينيين ومعاناة المحاصرين، وأيضًا أحلام شعوب ترى في غزة معركة إنسانية عالمية. وبين تهديدات الاحتلال وحماية القانون الدولي، تبقى الأيام المقبلة حاسمة: هل ستنجح الإرادة الشعبية العالمية في فرض ممر إنساني نحو غزة، أم ستعيد إسرائيل مشهد الهجوم على “مرمرة” 2010 مع ما يحمله من تداعيات خطيرة؟

في كل الأحوال، بات واضحًا أن البحر المتوسط لم يعد مجرد مساحة جغرافية، بل تحول إلى ساحة مواجهة أخلاقية بين قوى الحرية والحصار.

اقرأ أيضًا : أمريكا تلغي تأشيرة الرئيس الكولومبي: قرار سياسي أم محاولة لإسكات صوت معارض؟