بقلم/ محمود سعد
تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، مأساة إنسانية خانقة في ظل حصار عسكري مطبق تفرضه قوات الدعم السريع منذ أكثر من عام، جعلها بؤرة الأزمة الإنسانية في السودان.
فالمساعدات التي تعهد المجتمع الدولي مرارًا بإيصالها لا تزال رهينة الوعود المؤجلة والبيانات الإنشائية، فيما يواجه أكثر من ربع مليون مدني خطر المجاعة وانهيار المنظومة الصحية بالكامل.
ورغم الجلسات الدبلوماسية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتصريحات المكررة لمسؤولين غربيين، فإن واقع الحال يكشف أن المدينة تزداد عزلة يوماً بعد يوم، بينما تلعب قوى إقليمية – وفي مقدمتها الإمارات – دورًا مظلمًا في تأجيج الحرب وإطالة أمد الحصار.

وعود دولية متكررة بلا أثر
تصريحات المستشار الأميركي مسعد بولس حول “إمكانية دخول مساعدات إنسانية خلال الأيام المقبلة” لم تُحدث أي تغيير ملموس على الأرض. فهذه اللغة التي توحي بالأمل تتبدد سريعًا أمام الحقائق الميدانية: قصف مدفعي متواصل، طرقات مغلقة، وقيود متعمدة تمنع القوافل الإنسانية من الوصول إلى الفاشر. وبحسب تقديرات منظمات محلية، فإن ما دخل دارفور خلال الأشهر الستة الماضية لم يتجاوز بضعة آلاف من الأطنان، وهو جزء ضئيل من الاحتياج الشهري الفعلي.
هذه الفجوة الصادمة بين الوعود والواقع تكشف عن قصور فادح في أداء المجتمع الدولي، الذي يكتفي بتكرار عبارات القلق والتحذير دون اتخاذ خطوات عملية لكسر الحصار أو فرض ممرات آمنة. ويبدو أن دارفور تحولت إلى ساحة لاختبار حدود الصبر الإنساني أمام آلة حرب تستعمل التجويع سلاحًا، بينما القوى الكبرى توازن بين بياناتها المعلنة وحساباتها السياسية الضيقة.
حصار متعمد وتحويل الإغاثة إلى ورقة ابتزاز
منذ يونيو/حزيران 2024، تستخدم قوات الدعم السريع أسلوب “التجويع القسري” كسلاح عسكري، مانعة دخول الغذاء والدواء، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني. ومع كل يوم يمر، تتحول المساعدات الإنسانية إلى ورقة مساومة بيد الأطراف المتحاربة، بدل أن تكون حقًا مقدسًا للمدنيين.
الخبير السوداني عبد الناصر سلم حامد وصف المشهد بدقة حين أكد أن العمل الإنساني بات رهينة سياسية، وأن ما يجري في الفاشر يعيد إلى الأذهان حصارات مأساوية مثل سراييفو ومضايا وتعز، حيث وُظّف الجوع أداة حرب. هذه التكتيكات لا تهدد فقط المدنيين، بل تفتح الباب أمام انهيار إقليمي يمتد إلى تشاد وليبيا، حيث تتضاعف أعداد النازحين ويتفاقم انتشار السلاح.
الدور الإماراتي الخبيث وتأجيج الأزمة
وسط هذا الانسداد الإنساني، يبرز الدور الخبيث للإمارات التي وُجّهت إليها اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل، لتغذية حرب مدمرة أحرقت دارفور ومزّقت السودان. هذه السياسة لا تعكس فقط رهانا على مليشيات منفلتة، بل تمثل استثمارًا في الفوضى من أجل النفوذ الاقتصادي والعسكري.
بينما تُرفع في نيويورك شعارات إنسانية عن “وقف الحرب” و”إغاثة المدنيين”، تواصل أبوظبي لعب دور مزدوج: تتحدث بلسان دبلوماسي في المؤتمرات، وتغذّي بيد أخرى آلة الحرب على الأرض. وبهذا، تتحول وعود المساعدات إلى واجهة ناعمة تخفي خلفها شبكات تمويل وتسليح تشارك في صناعة الجوع والموت.
شهادة من قلب المأساة
من داخل الفاشر، تنقل أمينة محمد (42 عامًا) صورة قاسية تختزل واقع المعاناة: “الوعود تصلنا كالرعد، لكن المطر لا ينزل. أطفالنا يهزلون، المستشفيات خاوية، نسمع عن مؤتمرات ورباعية، لكننا لا نرى إلا القصف والجوع”. هذه الكلمات تجسد مأساة مدينة تُترك لمصيرها في مواجهة الحصار، بينما يتقاذف المسؤولون التصريحات.
كذلك، يشير ناشطون إنسانيون إلى أن فرق الإغاثة تعمل في ظروف مستحيلة، بين تهديدات أمنية ومضايقات ميدانية، حيث تمنع قوافل الغذاء من الوصول إلى المناطق الأكثر احتياجًا. ومع غياب موقف دولي حاسم، تتحول المعاناة اليومية إلى موت بطيء يعيشه المدنيون بصمت.
أزمة إنسانية تتحول إلى اختبار دولي
ما يحدث في الفاشر لم يعد مجرد مسألة إنسانية محلية، بل صار اختبارًا لمشروعية القانون الدولي ذاته. فترك مدينة كاملة تواجه التجويع الممنهج يكشف عجز المنظومة الدولية عن حماية أبسط حقوق الإنسان. ويؤكد خبراء أن كسر الحصار بات ضرورة أخلاقية وسياسية، ليس فقط لإنقاذ المدنيين، بل لمنع ترسيخ سابقة خطيرة تُجيز استخدام الجوع كسلاح مشروع في النزاعات.
في الوقت ذاته، يحذّر مراقبون من أن استمرار الأزمة سيفجر موجات نزوح جديدة باتجاه دول الجوار، ما سيضاعف الأعباء الاقتصادية والأمنية، ويخلق بيئة خصبة لانتشار الجريمة والتهريب والسلاح.
خاتمة
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة؛ إنها مرآة تكشف زيف الخطاب الدولي وتواطؤ بعض القوى الإقليمية. فالمجتمع الدولي الذي يملك القدرة على فرض ممرات إنسانية يختار الاكتفاء ببيانات شكلية، بينما تتحمل الإمارات قسطًا وافرًا من المسؤولية في تأجيج هذه الكارثة بدعمها للمليشيات التي تستخدم التجويع كسلاح.
إن استمرار هذا الصمت لا يعني فقط ترك ربع مليون إنسان لمصير الموت البطيء، بل يعني كذلك انهيار كل ما تبقى من شرعية القانون الدولي. الفاشر اليوم ليست مجرد اختبار للسودان، بل اختبار للإنسانية جمعاء: هل تبقى الشعارات أعلى من أرواح البشر، أم يجرؤ العالم أخيرًا على كسر الحصار ووقف الدور الخبيث الذي يغذي المأساة؟
اقرأ أيضًا : كشف مقبرة جماعية في شمال سيناء: جريمة حرب تكشف الوجه الدموي للنظام