في مشهد يفضح مجدداً الوجه الإجرامي للاحتلال الإسرائيلي، كشف “موقع أسطول الصمود” العالمي، الخميس، أن قوات البحرية الإسرائيلية أقدمت على احتجاز 21 سفينة إغاثة كانت في طريقها إلى غزة، وسط تقديرات بأن 19 سفينة أخرى قد تم اعتراضها دون توثيق رسمي، بحسب نظام التعقب الإلكتروني الخاص بالأسطول. هذه الخطوة تعكس إصرار الاحتلال على خنق القطاع المحاصر، ومنع وصول أي مساعدات إنسانية لملايين الفلسطينيين الذين يواجهون المجاعة والموت البطيء.

أسطول مدني يتحول إلى رهينة عسكرية

بيانات “أسطول الصمود” أوضحت أن السفن المحتجزة تحمل أسماء لافتة ترمز للحرية والإنسانية مثل: ألما، سيريوس، أدارا، سبيكتر، دير ياسين، غراندي بلو، مورغانا، أورورا وغيرها، لكن جميعها أصبحت رهائن بيد بحرية الاحتلال. أما السفن الأخرى التي يُعتقد أنها باتت في قبضة الإسرائيليين فهي من بينها: عهد التميمي، أمستردام، أداجيو، أوسترالي، سلفاجيا.

وبينما ترزح هذه السفن تحت السيطرة العسكرية، تظهر مؤشرات على أن ثلاث سفن فقط ما تزال تواصل الإبحار: مارينيت، شيرين، الصيف-جونغ، فيما توقفت سفينة ميكينو على بعد 9 أميال بحرية من غزة في انتظار مصير غامض. هذا المشهد يحاكي “خطفاً جماعياً” في عرض البحر، يستهدف جهوداً مدنية سلمية لكسر الحصار الممتد منذ 18 عاماً.

هجوم مسلح على قافلة إنسانية

ليلة الأربعاء، بدأت البحرية الإسرائيلية عملية اقتحام منظمة ضد الأسطول، حيث تسللت قواتها إلى عدد من السفن، وصعد الجنود المدججون بالسلاح للسيطرة عليها. وهو ما يعيد إلى الأذهان مجزرة “مافي مرمرة” عام 2010، عندما قتل الاحتلال عشرة ناشطين أتراك على متن سفينة مساعدات كانت متجهة لغزة. الفارق أن هذه المرة الاستهداف أكبر: نحو 50 سفينة شاركت معاً، وعلى متنها 532 متضامناً مدنياً من أكثر من 45 دولة، ما يجعل الاعتداء بمثابة هجوم على المجتمع الدولي بأسره.

حصار يتجدد بوجه أكثر قسوة

قطاع غزة يعيش اليوم واحدة من أشد مراحل الحصار منذ عام 2007، حيث حولت حرب الإبادة الإسرائيلية 1.5 مليون إنسان إلى مشرّدين بلا مأوى، ودمرت البنية التحتية بشكل كامل. ومنذ 2 مارس/آذار الماضي، شددت إسرائيل قبضتها عبر إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى القطاع، ما حال دون دخول أي مواد غذائية أو طبية. ونتيجة ذلك، تتكدس آلاف الشاحنات على الحدود بينما يموت الأطفال جوعاً داخل غزة.

منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدت الحرب الوحشية إلى 66,148 قتيلاً و168,716 جريحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال. وإلى جانب القتل المباشر بالقصف، تسبب الحصار والمجاعة في وفاة 455 فلسطينياً بينهم 151 طفلاً، في مشهد يعكس حرب إبادة ممنهجة تُنفّذ بغطاء أمريكي كامل.

الاحتلال والإجرام الممنهج في البحر

ما جرى مع “أسطول الصمود” لا يمكن قراءته إلا كامتداد لسياسة إسرائيلية متعمدة لقتل الفلسطينيين عبر أدوات متعددة: القصف، الحصار، والتجويع. لكن الجديد هو توسع هذه السياسة لتشمل استهداف المتضامنين الأجانب، وتجريم أي محاولة إنسانية لكسر العزلة. فاحتجاز سفن مدنية تحمل رايات دولية في المياه الدولية يرقى إلى جريمة قرصنة بحرية وفق القانون الدولي واتفاقيات جنيف. كما يكشف عجز المؤسسات الدولية عن حماية حتى أبسط المبادرات الإنسانية.

أبعاد سياسية وأخلاقية

احتجاز 21 سفينة لا يعني فقط مصادرة مساعدات إنسانية، بل هو رسالة سياسية أرادت إسرائيل توجيهها للعالم: “لا أحد يمر دون إذننا”. في المقابل، تتنامى الأصوات الدولية المطالبة بمحاسبة الاحتلال أمام المحاكم الدولية على جريمة الإبادة في غزة. ومن المرجح أن يزيد هذا الاعتداء من عزلة إسرائيل ويدفع بمزيد من الحكومات والشعوب إلى تبني موقف أكثر صرامة ضدها.

ختام.. غزة في مواجهة بحر من الإجرام

تظهر قضية “أسطول الصمود” كيف أن الاحتلال لم يعد يكتفي بخنق غزة من البر والجو، بل يطارد حتى السفن المدنية في عرض البحر ليحرم الجائعين من لقمة خبز. ومع ذلك، فإن هذه المبادرة العالمية التي جمعت 532 متضامناً من 45 دولة تؤكد أن قضية فلسطين لم تعد شأناً محلياً، بل قضية ضمير عالمي. كل سفينة محجوزة اليوم ليست مجرد هيكل معدني، بل شاهد حي على جريمة متواصلة وعلى صمت دولي يتواطأ مع القاتل.

اقرأ أيضًا : رئيس كولومبيا يطرد دبلوماسيي الاحتلال.. حين يقف بيترو شامخًا مقابل خنوع الحكام العرب