تتسع في السنوات الأخيرة رقعة النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في مشروع يتجاوز التجارة والموانئ إلى بناء منظومة أمنية واستخباراتية متكاملة، تتقاطع فيها مصالح أبوظبي وتل أبيب تحت غطاء “مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة”.
فوفقًا لتقارير ميدل إيست آي البريطاني وصور الأقمار الصناعية، نشرت الإمارات رادارًا إسرائيليًا من طراز ELM-2084 في مدينة بوصاصو الصومالية، وهو نفسه المستخدم ضمن منظومة القبة الحديدية، بغرض مراقبة أجواء خليج عدن ومتابعة التحركات اليمنية، لا سيما هجمات الحوثيين.
هذه الخطوة، التي جرى التعتيم عليها رسميًا، تشكّل أحدث حلقة في مشروع هيمنة يمتد من سواحل الصومال إلى أرخبيل سقطرى وجزيرة ميون اليمنية، في “دائرة قواعد” تمنح إسرائيل والإمارات قدرةً غير مسبوقة على مراقبة واحدٍ من أهم الممرات الملاحية في العالم.
تخريب اليمن لصالح الاحتلال
تحت شعار “إعادة الاستقرار”، حوّلت الإمارات الأراضي اليمنية إلى شبكةٍ من القواعد والممرات الجوية.
أبرزها جزيرة ميون الواقعة في قلب مضيق باب المندب، حيث رُصد منذ عام 2021 إنشاء مدرج بطول 1.85 كم لقاعدة جوية محصّنة، وثقته وكالة أسوشييتد برس بصورٍ من الأقمار الصناعية، وأكّد مسؤولون يمنيون ضلوع أبوظبي المباشر في تشييده.
الميزة الجغرافية للجزيرة، التي تتحكم في حركة السفن بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، جعلتها هدفًا استراتيجيًا لمشروع السيطرة الإماراتي – الإسرائيلي المشترك، والذي يهدف عمليًا إلى تطويق اليمن وتحويل ممراته إلى أدوات مراقبة للمنطقة بأكملها.
وفي أرخبيل سقطرى، تواصل الإمارات تطوير منشآت ومدارج في جزر عبد الكوري وسمحة، بدعوى “تحسين قدرات النقل الإنساني”، لكنها عمليًا تعزز من قدرات المراقبة الإلكترونية والرادارية على خطوط الملاحة.
وتفيد تسريبات عدة أن قواعد مشتركة إسرائيلية–إماراتية بدأت العمل فعلاً هناك منذ منتصف 2024، رغم غياب الاعتراف الرسمي. هذه القواعد تتيح مراقبة التحركات البحرية القادمة من المحيط الهندي نحو فلسطين المحتلة عبر قناة السويس، بما يشكّل ذراع إنذار مبكر لحماية الكيان من أي تهديدات صاروخية أو بحرية من اليمن أو المقاومة الفلسطينية.
التمدد في الصومال: غطاء تجاري ونفوذ استخباراتي
على الضفة المقابلة من البحر الأحمر، تمدّ الإمارات قبضتها نحو بوصاصو وبربرة في الصومال.
مدينة بوصاصو باتت اليوم مركزًا عسكريًا متطورًا، حيث شيّدت أبوظبي مرافق محصّنة وأبراج مراقبة ومنصّات طائرات مسيّرة، أبرزها الرادار الإسرائيلي ELM-2084 الذي يغطي مئات الكيلومترات فوق خليج عدن.
أما بربرة، فتضم أطول مدرج طيران في المنطقة (أكثر من 4 كيلومترات) وميناءً عميقًا طوّرته شركات إماراتية، ما يجعلها نقطة عبور رئيسية للإمدادات بين اليمن والساحل الصومالي.
بهذه الشبكة، تمكنت أبوظبي من بناء ما يشبه “جسرًا لوجستيًا” يربط بين قواعدها في اليمن ومراكزها الاستخباراتية في القرن الأفريقي، تحت غطاء المساعدات والاستثمارات.
خيوط تمتد إلى السودان
امتدت آثار هذا المشروع إلى السودان، حيث اتُهمت الإمارات بتسليح قوات الدعم السريع (RSF)، رغم نفيها المتكرر.
فقد كشفت رويترز في ديسمبر 2024 عن رحلات شحن غامضة من الإمارات إلى مطارات حدودية في تشاد، اتهمتها الأمم المتحدة بتغذية ميليشيا الدعم السريع.
وتشير تقارير واشنطن بوست (سبتمبر 2025) إلى أن الأسلحة المتدفقة نحو السودان تتضمن منظومات متقدمة مصدرها خليجي، على رأسها الإمارات، بينما تؤكد الأخيرة أن إرسالياتها “إنسانية فقط”.
هذه الأدلة دفعت الخرطوم إلى رفع دعوى ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة دعم جرائم الحرب في دارفور، ما يعكس حجم التدخل الإماراتي في إعادة تشكيل موازين القوة في أفريقيا.
هيمنة أمنية بلا أعلام
تتميز الاستراتيجية الإماراتية بأنها لا تُمارس عبر الوجود العسكري الرسمي، بل عبر وكلاء محليين كـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” في اليمن و”سلطات بونتلاند وأرض الصومال”، ما يوفّر طبقات من الإنكار ويُقلّل الكلفة السياسية.
لكن النتائج مدمّرة:
- في اليمن، تعمّق الانقسام الجغرافي والسياسي بين الشمال والجنوب، وتحوّلت الجزر إلى مناطق نفوذ أجنبي.
- في الصومال، أعادت أبوظبي إنتاج نظام الميليشيات المناطقية التي تضعف الحكومة الفدرالية.
- وفي السودان، غذّى تدخلها حربًا أهلية جديدة تخدم أهداف السيطرة على موانئ البحر الأحمر.
كل ذلك يجعل من المشروع الإماراتي أداةً لتفكيك الدول وتفريغها من سيادتها، خدمةً لمعادلة أمنية إسرائيلية–غربية تسعى لتأمين خطوط التجارة والطاقة من الخليج إلى المتوسط.
القرن الأفريقي.. الذراع الأمنية الجديدة لإسرائيل
دمج الرادارات الإسرائيلية ومنظومات المراقبة ضمن قواعد بوصاصو وسقطرى وميون يحوّل القرن الأفريقي إلى منصة استشعار أمامية للكيان الإسرائيلي، لمراقبة تحركات اليمنيين والمقاومة، ولتأمين الممرات نحو إيلات والعقبة.
ويبدو أن تل أبيب وجدت في أبوظبي الشريك المثالي لتوسيع نفوذها دون الاصطدام المباشر بالدول الأفريقية أو العربية، إذ تتكفّل الإمارات بالتمويل والواجهة اللوجستية، بينما توفّر إسرائيل التكنولوجيا والمعلومات.
خاتمة: مشروع تخريبي بهوية احتلالية
ما تبنيه الإمارات اليوم في اليمن والصومال ليس “استثمارًا في الأمن البحري”، بل مشروع هيمنة استخباراتي يعيد رسم خرائط النفوذ في البحر الأحمر لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
هذه القواعد والرادارات والممرات اللوجستية لا تحمي الملاحة بل تخرّب سيادة الدول، وتحول القرن الأفريقي إلى منطقة خاضعة للرقابة الإسرائيلية من وراء ستارٍ خليجيٍّ فاخر.
إنها حرب ناعمة بلا جيوشٍ معلنة، تُدار بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة ووكلاء محليين، لكن نتائجها صارخة: دولٌ مُمزّقة، وممراتٌ محتلة، ومصالحُ تُرسم من تل أبيب وأبوظبي.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يستهتر بالوسطاء ويشن قصف عنيف على قطاع غزة