أحدثت تصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني عاصفة سياسية في روما وأوروبا، بعد أن كشفت خلال مقابلة مع التلفزيون الحكومي الإيطالي (RAI) أنها تواجه دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية، تتهمها بالتواطؤ في الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة. الدعوى التي تقدمت بها منظمة فلسطينية تحمل اسم “محامون وقانونيون من أجل فلسطين” لم تقتصر على ميلوني وحدها، بل شملت أيضًا وزيري الخارجية أنطونيو تاياني والدفاع غويدو كروسيتو، بالإضافة إلى روبرتو تشنيغولاني، رئيس مجموعة “ليوناردو” الدفاعية، المتهمة بتزويد إسرائيل بالسلاح خلال الحرب.

ورغم محاولات ميلوني التقليل من شأن الاتهامات، إلا أن القضية تضع حكومتها اليمينية في موقف حرج، خاصة أنها تأتي في ظل موجة غضب شعبي غير مسبوقة في إيطاليا ضد المجازر الإسرائيلية في غزة، والتي قُتل خلالها عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، وسط صمت أوروبي واضح ودعم سياسي ولوجستي مستمر لتل أبيب.

العدالة الدولية تطرق أبواب روما

تشير تفاصيل الدعوى المقدمة إلى أن الحكومة الإيطالية “قدمت دعماً مباشراً وغير مباشر” لإسرائيل خلال عدوانها على غزة، عبر استمرار إمدادات السلاح والتعاون العسكري، ما يجعلها شريكة في الجرائم التي تصفها منظمات حقوقية بأنها ترقى إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

وبحسب نص الدعوى، فإن إيطاليا – رغم إعلانها وقف تصدير أسلحة جديدة بعد 7 أكتوبر – لم توقف التعاملات الدفاعية القائمة ولم تسحب تراخيص التصدير السابقة، كما سمحت بمرور شحنات عسكرية عبر أراضيها إلى إسرائيل. هذا ما دفع المحامين الموقعين على الشكوى وعددهم نحو خمسين شخصية من القانونيين والأكاديميين إلى مطالبة المحكمة الجنائية بإجراء تقييم عاجل لإمكانية فتح تحقيق رسمي ضد المسؤولين الإيطاليين.

ميلوني ردّت بتعجب قائلة: “لا أعتقد أن هناك حالة أخرى في التاريخ تُتهم فيها حكومة ديمقراطية بدعم إبادة جماعية”، معتبرة أن الدعوى “سياسية أكثر منها قانونية”. غير أن المتابعين يرون أن ردها لا يلغي مسؤولية بلادها الأخلاقية والقانونية في ضوء موقفها المنحاز لإسرائيل، واستمرار العلاقات العسكرية رغم المجازر الموثقة بالأدلة والشهادات.

ليوناردو.. سلاح روما في يد الاحتلال

أحد أبرز أوجه الاتهام في الدعوى يتمثل في شركة “ليوناردو”، عملاق الصناعات الدفاعية الإيطالية، التي تعد ثالث أكبر مصدر للسلاح في أوروبا. الشركة أبرمت خلال السنوات الماضية صفقات بمليارات الدولارات مع إسرائيل، تشمل مكونات الطائرات المقاتلة وأنظمة المراقبة والاتصالات العسكرية.

رئيس الشركة روبرتو تشنيغولاني حاول التبرؤ من أي تورط مباشر، واصفًا الاتهامات بأنها “تلفيق خطير”، لكنه لم ينفِ صراحة استمرار التعاون الدفاعي خلال الحرب. وفي ظل الوثائق التي تداولتها منظمات مراقبة السلاح الأوروبية، يبدو أن علاقة “ليوناردو” بتل أبيب تجاوزت حدود التبادل التجاري لتصبح جزءًا من البنية العسكرية التي تستند إليها إسرائيل في عدوانها على غزة.

هذا الجانب تحديدًا يجعل الاتهام ضد ميلوني أكثر خطورة، لأنها، بصفتها رئيسة الحكومة، تشرف على السياسة الدفاعية الوطنية، مما يجعلها قانونيًا مسؤولة عن استمرار تصدير السلاح، حتى إن كان عبر القطاع الخاص، وفق مبدأ “مسؤولية القيادة” الذي تعتمده المحكمة الجنائية الدولية.

غضب شعبي وميلوني في مرمى الانتقادات

في الداخل الإيطالي، تصاعدت الانتقادات الحادة لميلوني خلال الأسابيع الماضية، حيث شهدت روما وميلانو ونابولي تظاهرات ضخمة شارك فيها مئات الآلاف احتجاجًا على “تواطؤ الحكومة مع الاحتلال الإسرائيلي”. المتظاهرون رفعوا شعارات مثل “إيطاليا شريكة في الجريمة” و*”أوقفوا تمويل الإبادة”*، في مشهد لم تشهده البلاد منذ احتجاجات حرب العراق عام 2003.

ورغم محاولة الحكومة التخفيف من حدة الغضب بإصدار تصريحات تدعو إلى “تجنب العمليات غير المتناسبة” في غزة، فإنها لم تتخذ أي خطوات عملية لوقف التعاون العسكري أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما جعل تلك التصريحات تُقرأ بوصفها “مناورة سياسية لتبييض الوجه” أمام الرأي العام.

يرى محللون أن ميلوني تواجه مأزقًا مزدوجًا: فهي من جهة تريد الحفاظ على التحالف الوثيق مع إسرائيل والولايات المتحدة ضمن محورها اليميني الغربي، ومن جهة أخرى تواجه ضغطًا شعبيًا متناميًا يرى في سياساتها “تورطًا أخلاقيًا في الإبادة الجماعية”.

بين القانون والسياسة.. أوروبا في اختبار أخلاقي

القضية الإيطالية ليست معزولة، إذ تتزامن مع موجة دعاوى مشابهة في بلجيكا وإسبانيا وجنوب أفريقيا ضد شركات ومسؤولين أوروبيين بتهم دعم جرائم الحرب في غزة. هذا التوجه المتصاعد نحو مقاضاة الحلفاء الغربيين لإسرائيل يعكس تحولًا عميقًا في الرأي العام الأوروبي، الذي بدأ يشكك في سرديات الحكومات بشأن “حق الدفاع عن النفس”، بعدما تحولت غزة إلى أنقاض وسقط عشرات الآلاف من الأطفال والنساء.

إذا قررت المحكمة الجنائية الدولية المضي في التحقيق، فستكون سابقة تاريخية تمسّ أحد أقوى أعضاء الاتحاد الأوروبي، وتفتح الباب أمام مساءلة قانونية لأطراف لطالما اعتبرت نفسها فوق القانون الدولي.

وفي النهاية، تبدو دعوى ميلوني إشارة واضحة إلى أن الإفلات من العقاب بدأ يضيق حتى على حلفاء الاحتلال، وأن العالم – ولو متأخرًا – بدأ يعيد النظر في مسؤولياته أمام واحدة من أبشع الإبادات في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ أيضًا : الإمارات تسعى لزعزعة استقرار ليبيا عبر دعم الانقلابي حفتر