في مشهد يكشف عمق الانحياز الأمريكي للكيان الإسرائيلي، ظهر مبعوثا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وهما يؤديان الصلوات اليهودية عند حائط البراق (الحائط الغربي) في القدس الشرقية المحتلة، مرتديَين “الكيباه” غطاء الرأس اليهودي في زيارة وُصفت بأنها ذات دلالات سياسية ودينية مركبة تتجاوز المظهر الطقسي إلى تكريس التطبيع والاعتراف الضمني بسيادة الاحتلال على المدينة المقدسة.

 

عرّاب التطبيع يؤدي طقوسه في المدينة المحتلة

كوشنر، صهر ترامب ومستشاره السابق للشرق الأوسط، لم يكن يومًا بعيدًا عن مسرح السياسة الدينية في المنطقة. 

فهو عرّاب اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الأنظمة العربية، وعلى رأسها الإمارات والبحرين والمغرب، ضمن ما سُمي بـ”اتفاقات أبراهام” التي قدّمتها واشنطن للعالم بوصفها “سلامًا جديدًا”، بينما كانت في حقيقتها بوابة لاختراق إسرائيلي واسع للمنطقة العربية سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

ظهوره اليوم عند حائط البراق ليس مشهدًا عابرًا، بل امتداد رمزي لتلك السياسة التي حوّلت الدين إلى أداة سياسية لتبرير الاحتلال. فارتداء كوشنر “الكيباه” ووضعه القصاصات الورقية بين حجارة الحائط في قلب القدس الشرقية المحتلة، يحمل رسالة واضحة بأن القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية هي قناعة راسخة في العقل السياسي لترامب ومستشاريه، وأن إدارة واشنطن الحالية تواصل النهج ذاته الذي بدأه ترامب عندما نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عام 2018.

 

ويتكوف.. ممول الحصار ومهندس الضغط الاقتصادي

أما ستيف ويتكوف، أحد أبرز ممولي حملة ترامب وصاحب النفوذ الاقتصادي الواسع في مجال العقارات، فهو أيضًا من الوجوه التي لعبت دورًا خفيًا في دعم الحصار المالي على الفلسطينيين. فقد كان من أبرز الداعمين لتوجه واشنطن نحو تجفيف موارد وكالة الأونروا، وتعزيز التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال على حساب حقوق الفلسطينيين.

ويتكوف لم يخفِ يومًا انحيازه الكامل لإسرائيل، وسبق أن صرّح في أكثر من مناسبة بأنه يعتبر القدس “العاصمة الأبدية للشعب اليهودي”، وهو الموقف الذي يتطابق تمامًا مع خطاب اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يقوده نتنياهو. لذلك لم يكن ظهوره إلى جانب كوشنر في زيارة “حائط البراق” صدفة بروتوكولية، بل تعبيرًا عن تحالف سياسي–مالي يوظف الدين والاقتصاد لتثبيت سيطرة الاحتلال على الأرض والذاكرة.

رسائل سياسية في مشهد ديني

ورغم أن الزيارة اتخذت مظهرًا دينيًا، فإنها في جوهرها مليئة بالرموز السياسية. فحائط البراق، الذي يعدّه المسلمون جزءًا من المسجد الأقصى المبارك، يقع في قلب القدس الشرقية التي احتلها الكيان الإسرائيلي عام 1967. وأي زيارة لمسؤولين أمريكيين إليه، بغطاء ديني أو سياسي، تمثل خرقًا للقانون الدولي واعترافًا ضمنيًا بالسيادة الإسرائيلية على مدينة يفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية.

من هنا، تحمل الزيارة رسالة مزدوجة: دعم غير مشروط لإسرائيل في لحظة تعاني فيها عزلة سياسية متزايدة بسبب جرائمها في غزة، وتأكيد أن الإدارة الأمريكية الجديدة تواصل خطّ كوشنر في إعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق المصالح الإسرائيلية لا وفق العدالة الدولية.

عامان من التلاعب في المفاوضات

وليس جديدًا أن يكون كوشنر وويتكوف في صدارة المشهد، فهما من أبرز من أداروا التلاعب الأمريكي في مفاوضات غزة طوال العامين الماضيين، عبر ما سُمي بـ”خطة ترامب للسلام”. فبينما كانت واشنطن تتحدث عن “حل إنساني” و”وقف إطلاق نار تدريجي”، كانت في الواقع تمنح الاحتلال الوقت الكافي لتدمير البنية التحتية للقطاع وتهجير مئات الآلاف من المدنيين تحت غطاء “محاربة الإرهاب”.

مصادر دبلوماسية كشفت أن كوشنر كان على اتصال دائم مع أجهزة الأمن الإسرائيلية خلال تلك المفاوضات، وأنه مارس ضغوطًا على الوسطاء العرب لتقديم تنازلات لصالح تل أبيب. كما أن ويتكوف كان أحد العقول التي صاغت فكرة “الاستثمار مقابل الهدوء”، التي حاولت بها واشنطن شراء صمت الفلسطينيين بالوعود الاقتصادية بدل الحقوق السياسية.

بهذا المعنى، فإن ظهورهما في القدس المحتلة اليوم يعيد إلى الأذهان الوجه الحقيقي للدبلوماسية الأمريكية: دبلوماسية ترتدي عباءة الدين لتبرير الاحتلال، وتستخدم المال لإخضاع الشعوب.

انكشاف الأقنعة.. أمريكا كطرف لا وسيط

تأتي هذه الزيارة في توقيت حساس للغاية، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية بوساطة أمريكية–عربية، وهي وساطة تفتقر إلى المصداقية بعد أن بات الوسطاء أنفسهم طرفًا في الصراع. فكيف يمكن لواشنطن التي تؤدي مبعوثوها الصلوات عند حائط البراق وتعلن ولاءها الديني لإسرائيل أن تكون وسيطًا نزيهًا في مفاوضات سلام؟

المشهد يعيد التأكيد على أن الولايات المتحدة ليست وسيطًا بل شريكًا للاحتلال، وأن ما يُسمى بخطط السلام الأمريكية ليست سوى غطاء لإعادة إنتاج السيطرة الإسرائيلية تحت عناوين جديدة.

خاتمة: حين يصبح الحياد الأمريكي خرافة

من خلال هذه الزيارة، تؤكد واشنطن مرة أخرى أنها اختارت الاصطفاف الكامل مع إسرائيل، دينًا وسياسة واقتصادًا، وأن “الحياد الأمريكي” في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يكن يومًا أكثر من أسطورة. كوشنر وويتكوف لم يذهبا إلى القدس للصلاة فحسب، بل ليؤديا طقس الولاء السياسي لإسرائيل، ويذكّرا العالم بأن ما يُسمى بـ”عملية السلام” ما زالت رهينة بيد من يقدّسون الحائط وينسون الدماء التي سالت على بُعد أمتار منه.

اقرأ أيضًا : حماس تتهم الاحتلال بمحاولة إفشال الهدنة وتدعو الوسطاء لتحمّل مسؤولياتهم بعد مجزرة الصبرة