في مشهد يعكس ازدواجية السياسة السعودية بين الشعارات والممارسات، أعلنت المملكة منح جنسيتها لمؤسس شركة «أوبر» الأمريكية ترافيس كالانيك، أحد أبرز رواد التكنولوجيا في وادي السيليكون، والمعروف بعلاقاته الوثيقة مع شركات تتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.
الخطوة التي روّجت لها وسائل الإعلام الرسمية بوصفها “استقطابًا للكفاءات العالمية”، تكشف في الواقع منح غطاء رسمي لرجل أعمال مطبّع مع الاحتلال ومدعوم ماليًا من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، في استمرار لنهج واضح بدأه تركي آل الشيخ، الذي رفض مرارًا دعوات المقاطعة ووقّع عقود رعاية مع شركات متهمة بدعم إسرائيل مثل بيبسي.

دعم سعودي مفتوح لترافيس كالانيك
حين أسس كالانيك شركة “أوبر” عام 2009، لم يكن أحد يتخيل أن عملاق النقل سيصبح أداة من أدوات التطبيع الاقتصادي العالمي. فالشركة التي دخلت السوق الإسرائيلية عام 2020، بعد توقيع اتفاق رسمي مع شركات محلية في تل أبيب والقدس الغربية، تحولت إلى نموذج للمصالح العابرة للحدود التي تتجاهل حقوق الفلسطينيين.
لكن ما يثير الجدل هو أن السعودية كانت أول من موّل كالانيك بمليارات الدولارات قبل أن يصبح رمزًا للتطبيع. ففي عام 2016، ضخ صندوق الاستثمارات العامة السعودي نحو 3.5 مليارات دولار في “أوبر”، في أكبر استثمار منفرد في تاريخ الشركة، ما جعل المملكة شريكًا رئيسيًا فيها ومؤثرًا في قراراتها الإستراتيجية.
ومع أن الشركة توسعت لاحقًا في إسرائيل، لم يصدر عن الرياض أي موقف انتقادي أو تحفظ رسمي، بل على العكس، استمرت العلاقة بين الطرفين، وجرى توسيعها عبر مشاريع تكنولوجية جديدة أسسها كالانيك بعد مغادرته “أوبر”. فقد حصلت شركته الجديدة CloudKitchens على تمويل سعودي إضافي، وتخطط حاليًا لإدراجها في إحدى بورصات الخليج، ما يعني أن المال السعودي يُعاد توظيفه لدعم مشروع رجل أعمال يرتبط مباشرة بأسواق الاحتلال.
دعم مالي لا يخضع للمبادئ
منح الجنسية لترافيس كالانيك ليس قرارًا عابرًا، بل يأتي ضمن توجه استراتيجي لدى محمد بن سلمان لتحويل المملكة إلى مركز نفوذ مالي عالمي، حتى لو كان ذلك عبر التعاون مع شخصيات مثيرة للجدل.
فالرجل الذي ارتبط اسمه بالتطبيع، والفضائح الأخلاقية داخل “أوبر”، يجد اليوم في الرياض حليفًا سخيًا يغدق عليه الأموال، ويقدمه كنموذج “للرؤية المستقبلية”.
بهذا المعنى، تتحول الجنسية السعودية من رمز انتماء إلى أداة استثمار سياسي واقتصادي، تُمنح وفق حسابات الربح والسمعة، لا وفق المبادئ أو المواقف من القضايا العربية.
ولا يمكن فصل هذا الدعم عن سياسات تركي آل الشيخ، الذي مثّل الواجهة الترفيهية للنظام في السنوات الأخيرة، والذي رفض علنًا حملات المقاطعة ضد الشركات الداعمة لإسرائيل، مثلما فعل حين منح شركة بيبسي عقد رعاية ضخمًا رغم الجدل حول دعمها لأنشطة صهيونية.
هذه السياسة المتكررة تُظهر أن المال السعودي لم يعد يتحفظ على التعامل مع رموز التطبيع، بل يحتفي بهم ويكافئهم، سواء في مجالات الترفيه أو التكنولوجيا أو الاقتصاد.
«أوبر».. من استثمار سعودي إلى تعاون مع الاحتلال
منذ أن أعلنت “أوبر” عن بدء عملها في إسرائيل عام 2020، بدأت حملات واسعة تدعو إلى مقاطعتها، باعتبارها شركة تتربح من نشاط اقتصادي داخل أراضٍ محتلة، وتُسهم في “تطبيع النقل”، كما وصفها نشطاء حركة BDS.
ومع ذلك، واصل صندوق الاستثمارات العامة السعودي دعمه للشركة ولمؤسسها، دون أي تعليق أو مراجعة، ما فُسّر دوليًا على أنه تأييد ضمني للانفتاح على إسرائيل اقتصاديًا.
بل إن مسؤولين سعوديين سابقين في الصندوق شاركوا في اجتماعات مغلقة مع ممثلين عن شركات إسرائيلية في مؤتمرات اقتصادية دولية، وهو ما يعزز القناعة بأن الخط الفاصل بين الاستثمار والسياسة في الرياض يتلاشى تدريجيًا لصالح التطبيع الكامل.
أما كالانيك، فقد عمل خلال تلك الفترة على توسيع شبكة تعاونه مع شركات إسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، من بينها شركات أسسها ضباط سابقون في وحدة الاستخبارات الإسرائيلية “8200”. هذه العلاقات لم تمنع الرياض من التقرب منه، بل منحته الجنسية تكريمًا له، في خطوة وُصفت بأنها “مكافأة لممول التطبيع”.
ن «CloudKitchens» إلى رؤية 2030.. المال فوق المبادئ
شركة CloudKitchens، التي أسسها كالانيك بعد خروجه من “أوبر”، هي واحدة من الشركات الناشئة التي تستثمر في المطابخ السحابية وخدمات التوصيل الذكي.
ومرة أخرى، نجد صندوق الاستثمارات العامة السعودي من أبرز الممولين لهذا المشروع، رغم ما يثار حول الشركة من شبهات توسع في إسرائيل عبر شركاء أجانب.
مصادر اقتصادية غربية كشفت أن كالانيك يسعى لإدراج شركته في إحدى بورصات الخليج خلال العام المقبل، وهو ما يعني أن المال السعودي سيشارك مباشرة في تمويل شركة تنشط في إسرائيل، تحت مظلة “التحول الاقتصادي” و”رؤية 2030″.
لكن هذه الرؤية تبدو في حقيقتها أقرب إلى رؤية لتطبيع اقتصادي صامت، تُستخدم فيها التكنولوجيا كواجهة، بينما يجري تمرير العلاقات التجارية مع الاحتلال تحت عناوين براقة مثل “الابتكار” و“الاستثمار العالمي”.
تركي آل الشيخ والنموذج السعودي للتناقض
حين واجه تركي آل الشيخ انتقادات حادة بسبب توقيع عقود رعاية مع “بيبسي” رغم اتهاماتها بدعم الاحتلال، لم يتراجع، بل أعلن بوضوح أنه “لا يؤمن بالمقاطعة الاقتصادية”.
هذا الموقف يعكس توجهًا رسميًا عامًا داخل مؤسسات الدولة السعودية، يقوم على فكرة أن الاقتصاد أهم من المبادئ، وأن “الاستثمار لا يعرف السياسة”.
لكن هذه النظرية تتحول في التطبيق إلى تبرير للتطبيع المالي مع إسرائيل، وهو ما نراه اليوم في تكريم ترافيس كالانيك ومنحه الجنسية، رغم ارتباطه بشركات تنشط داخل الأراضي المحتلة.
فكما استخدم تركي آل الشيخ الترفيه كأداة لتطبيع ثقافي غير مباشر، يستخدم محمد بن سلمان المال كوسيلة لتطبيع اقتصادي منظم، يبدأ من تجنيس المستثمرين وينتهي بتبييض صورة النظام أمام الغرب.
وفي كلا الحالتين، تُهمَّش القيم التي لطالما تبنتها السعودية في خطابها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، لصالح ما تسميه “الانفتاح”.
“جنسية الاستثمار”.. واجهة تبييض للنظام
تجنيس كالانيك لا يُعد حادثة فردية، بل جزء من حملة متواصلة أطلقتها السعودية منذ عام 2021 تحت اسم “برنامج الجنسية الاستثنائية”، والذي يمنح الجنسية لأجانب “قدموا إنجازات تخدم المملكة”.
لكن اللافت أن أغلب الحاصلين على الجنسية هم رجال أعمال غربيون أو شخصيات مقربة من دوائر النفوذ المالي، وليسوا علماء أو مفكرين عربًا.
وفي حالة كالانيك، فإن الإنجاز الحقيقي الذي خدم المملكة لم يكن علميًا أو أخلاقيًا، بل إعلاميًا واقتصاديًا، لأنه يمنح النظام غطاءً تسويقيًا في وادي السيليكون، ويعزز صورته في الأسواق العالمية.
بهذا الشكل، تتحول الجنسية إلى أداة تلميع وتبييض سياسي، تمنح لرموز رأسمالية مثيرة للجدل لتجميل وجه النظام، حتى وإن كان هؤلاء يرتبطون بعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي أو يتجاهلون القضية الفلسطينية بالكامل.
من الرياض إلى تل أبيب.. خريطة المال الجديدة
تظهر الخطوات الأخيرة أن الرياض تبني شبكة مصالح اقتصادية تمتد إلى تل أبيب عبر بوابات التكنولوجيا والاستثمار الغربي.
ومنح الجنسية لترافيس كالانيك يأتي كإشارة صريحة إلى أن المرحلة المقبلة من الانفتاح السعودي لن تتردد في احتضان رموز التطبيع الاقتصادي.
ففي الوقت الذي تُضيّق فيه السلطات على أي صوت شعبي يدعو لدعم فلسطين، تُكرّم من يمول الاحتلال أو يتعاون معه، لتصبح الهوية السعودية الجديدة قائمة على “الربح لا المبدأ، والعلاقات لا المواقف”.
خاتمة: نهج تركي آل الشيخ في ثوب اقتصادي
في الجوهر، لم يختلف قرار تجنيس ترافيس كالانيك عن قرارات تركي آل الشيخ حين رعى شركات غربية متهمة بدعم الاحتلال. فكلا الرجلين يعبران عن عقيدة اقتصادية واحدة داخل النظام السعودي: لا خطوط حمراء في سبيل المال والصورة.
ومع مرور الوقت، تتضح معالم هذا النهج أكثر: دعم المطبعين، تمويل شركات غربية تعمل في إسرائيل، ومنح جنسيتها لمن يجيدون خدمة رواية “السعودية الحديثة”.
وهكذا، تصبح الجنسية السعودية مكافأة للتطبيع، وشهادة انتماء تُمنح لمن يخدم الاقتصاد على حساب الأخلاق، فيما تبقى القضية الفلسطينية — التي كانت يومًا “قضية المملكة المركزية” — خارج حسابات النظام، في زمن المال أولًا والمبادئ أخيرًا.
اقرأ أيضًا : كوشنر وويتكوف.. مبعوثان أمريكيان يؤدّيان طقوس الاحتلال ويكرّسان انحياز واشنطن لتل أبيب