بقلم : محمود المنصوري

فوزٌ مفاجئٌ غير متوقّع حتى بالنسبة لها، هكذا استقبلت المعارِضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو خبر فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2025، قائلة في أول تعليق: “إنني تحت وقع الصدمة.. ما هذا؟ لا أستطيع أن أصدق!”. غير أن خلف هذه المفاجأة، تبرز قصة سياسية معقّدة لامرأةٍ تربطها علاقاتٌ وثيقة بواشنطن وتل أبيب، وتتبنّى مواقف يمينية مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي، مما يجعل فوزها مثيراً للجدل أكثر من كونه تكريماً إنسانياً.

 

من هندسة المصانع إلى هندسة السياسة

وُلدت ماتشادو في العاصمة كراكاس عام 1967 لأسرة ميسورة تعمل في الصناعة والهندسة، ودرست الهندسة الصناعية قبل أن تحصل على ماجستير في المالية من معهد الدراسات العليا في الإدارة. لاحقاً التحقت بجامعة ييل الأميركية ضمن برنامج الزمالة العالمية عام 2009، وهو ما فتح لها الأبواب نحو دوائر التأثير الأميركية.

دخلت عالم السياسة من بوابة ما سُمّي بـ”مراقبة الانتخابات” عبر تأسيسها منظمة (سوماتي) عام 2002، ثم أصبحت عضواً في البرلمان الفنزويلي عام 2011 عن حزب “فينتي فنزويلا” المعارض للرئيس نيكولاس مادورو، قبل أن تُقصى لاحقاً وتُمنع من الترشّح لأي منصبٍ عام لمدة 15 عاماً.

طوال مسيرتها، قدّمت نفسها بوصفها “الوجه المدني للديمقراطية”، لكنها في الواقع مثّلت جناح المعارضة الأكثر قرباً من واشنطن والأكثر استعداداً لتطبيق الوصفات الاقتصادية النيوليبرالية وخصخصة الشركات الوطنية، وفي مقدمتها شركة النفط الفنزويلية العملاقة.

بين غوايدو وترامب: المعارضة في حضن واشنطن

منذ احتجاجات 2014، تحوّلت ماتشادو إلى واحدة من رموز المعارضة المدعومة أميركياً، إذ تلقّت دعماً سياسياً وإعلامياً مباشراً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبلغ هذا الدعم ذروته عندما أعلن ترامب مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال الرئيس مادورو، واصفاً إياه بأنه “أحد أكبر مهربي المخدرات في العالم”.

وبحسب نيويورك تايمز، فقد لعبت ماتشادو دوراً محورياً في التنسيق مع المعارضة المدعومة أميركياً بزعامة خوان غوايدو، الذي حاول إعلان نفسه رئيساً مؤقتاً للبلاد عام 2019. ورغم فشل تلك المحاولة، استمرت ماتشادو في مساعيها لإسقاط النظام بغطاءٍ سياسي من واشنطن، وبدعمٍ من مشرّعين في ولاية فلوريدا قدّموا ترشيحها رسمياً لنوبل عام 2024.

اللجنة المانحة برّرت الجائزة بقولها إنها تُكرّم “عملها الدؤوب من أجل انتقالٍ سلميٍ من الدكتاتورية إلى الديمقراطية”، لكن منتقدين رأوا أن هذا المبرّر لا ينفصل عن أجندةٍ غربيةٍ تهدف إلى دعم شخصياتٍ موالية لسياسات الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

من نوبل إلى نتنياهو: الفائزة التي تدعم الاحتلال

لم يقتصر الجدل على بعدها الأميركي، بل امتد إلى موقفها من القضية الفلسطينية. إذ تُعد ماتشادو من أبرز الأصوات المطالِبة بإعادة العلاقات بين فنزويلا و”إسرائيل”، بعد أن قطعها الرئيس الراحل هوغو تشافيز عام 2009 احتجاجاً على جرائم الاحتلال في غزة.

ففي عام 2020، وقّع حزبها “فينتي فنزويلا” اتفاقية تعاون مع حزب الليكود الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو، تضمنت التعاون في “القضايا السياسية والأمنية والجيوسياسية”. كما صرّحت في مقابلة مع قناة i24NEWS الإسرائيلية أن القوى الديمقراطية في فنزويلا و”إسرائيل” تواجه “عدواً مشتركاً يتمثل في الأنظمة الإجرامية التي تهدّد السلام العالمي”، في إشارةٍ ضمنية إلى إيران وحركات المقاومة.

ولم تخفِ ماتشادو تأييدها لتل أبيب، إذ وصفتها بأنها “شريك استراتيجي” لفنزويلا في مواجهة “الإرهاب”، واعتبرت إعادة العلاقات معها خطوة ضرورية “لإعادة فنزويلا إلى المعسكر الحرّ”، ما أثار انتقادات حادة من أحزاب اليسار الفنزويلي التي وصفتها بـ”صوت واشنطن وتل أبيب في كراكاس”.

صورة مُجمّلة تخفي انحيازاً أيديولوجياً

تحاول ماتشادو الظهور في الخطاب الإعلامي الغربي كناشطة ديمقراطية ومدافعة عن الحرية، لكن مراقبين يرون أن فوزها بنوبل يدخل ضمن سلسلة تسييس الجائزة، إذ جرى تكريم شخصيات مرتبطة مباشرة بالمصالح الأميركية في أكثر من محطة تاريخية.

وتشير تقارير أوروبية إلى أن فوزها جاء بعد حملة ضغط قادتها مؤسسة “إنسبيرا أميركا”، المقربة من الجمهوريين، لترويج ترشيحها تحت شعار “المرأة التي تواجه الدكتاتورية”، رغم أن خطابها السياسي يتبنّى مواقف يمينية متشددة ومعادية للمهاجرين والفقراء، وتدعو إلى خصخصة واسعة و”تقليص دور الدولة إلى الحد الأدنى”.

كما أنّ حزبها يرتبط بعلاقات مع أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، بعضها معروف بخطابه المعادي للإسلام والأجانب، ما جعل فوزها مصدر قلق في أوساط حقوقية ترى أن “السلام لا يمكن أن يُمنح لمن يدعم الاحتلال أو يعادي فئاتٍ من البشر”.

رمز المعارضة أم أداة في مشروع أوسع؟

يصف مؤيدوها فوزها بأنه “انتصار للحرية في وجه الاستبداد”، بينما يرى منتقدوها أنه تتويج لسياسة الانتقائية الغربية في اختيار من يستحق الجوائز العالمية. فبينما تُقصى شخصيات مناهضة للاستعمار أو الاحتلال عن المشهد، يُكافأ من يساند القوى الكبرى تحت لافتة “السلام والديمقراطية”.

أما في الداخل الفنزويلي، فقد تباينت المواقف بين من اعتبر فوزها “صفعة لمادورو”، ومن رأى فيه محاولة جديدة لتأجيج الصراع الداخلي. لكن في الشرق الأوسط، بدت الدلالات أوضح: الفائزة بنوبل للسلام تدعم الاحتلال الإسرائيلي وتصفه بشريك الحرية، في مفارقة تكشف كيف تحوّل الخطاب الغربي عن السلام إلى أداةٍ لتجميل الحلفاء وتبرير الحروب.

خاتمة: نوبل جديدة.. ومعايير قديمة

في النهاية، يبقى فوز ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام أكثر من حدثٍ رمزي. فهو يعكس استمرار الازدواجية الغربية في تعريف السلام والحرية، إذ يُحتفى بمن يدعم الاحتلال ويُقصى من يقاومه، وتُكافأ من تتماهى مع أجندة واشنطن بينما تُشيطن الأصوات المستقلة.

بينما يصفها الإعلام الغربي بـ”المناضلة من أجل الديمقراطية”، يراها خصومها مجرد وجهٍ آخر لمشروعٍ سياسي يهدف إلى إسقاط الأنظمة المعادية للولايات المتحدة تحت شعارات إنسانية. وهكذا، تحوّلت جائزة نوبل إلى رسالة سياسية أكثر منها إنجازاً أخلاقياً، عنوانها: من يدعم الاحتلال يمكنه أن يُتوَّج بـ”نوبل للسلام”.

اقرأ أيضًا :  إندونيسيا تتحدى الضغوط وتمنع دخول لاعبي إسرائيل.. الرياضة تنتصر للإنسانية في وجه الإبادة