تصدر خبر استشهاد الصحفي الفلسطيني صالح الجعفراوي مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن اغتالته عصابات مسلحة تابعة للاحتلال الإسرائيلي في مدينة غزة، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الحافل باستهداف الصحفيين. الجعفراوي، الذي كرّس عدسته لخدمة الحقيقة ونقل معاناة الفلسطينيين، لم يكن مجرد مصور ميداني، بل شاهدًا دائمًا على مأساة غزة وصمودها. وقد جاءت عملية اغتياله – وفق روايات ميدانية – بعد اختطافه من قبل مسلحين يشتبه بانتمائهم لعملاء الاحتلال، قبل أن يُعدم ميدانيًا برصاص الغدر في مشهد صادم أثار موجة غضب عارمة.
الصحفي الشهيد يُعد من أبرز الوجوه الإعلامية الفلسطينية في قطاع غزة، إذ وثق على مدار العامين الماضيين القصف الإسرائيلي الوحشي والجرائم بحق المدنيين، وظل ينقل للعالم صور الألم والصمود في الوقت نفسه. عرفه متابعوه بابتسامته الهادئة وعدسته المخلصة التي لم تفارق خطوط النار، رغم خطر الموت الدائم.

منصات التواصل تشتعل: “قتلوا من حمل الكاميرا بدل البندقية”
سرعان ما تحوّل خبر استشهاد الجعفراوي إلى قضية رأي عام فلسطينية وعربية، إذ تناقل آلاف النشطاء صوره ولقطات من أعماله الأخيرة. وأعادوا نشر مقاطع من تغطيته الميدانية التي عكست حجم الدمار في غزة، مؤكدين أنه كان مستهدفًا منذ فترة بسبب فضحه المستمر لجرائم الاحتلال.
ونعى ناشطون الجعفراوي بوصفه “شاهدًا على الحقيقة” و”شهيد الكلمة”، بينما رأى آخرون أن اغتياله يمثل مرحلة جديدة في الحرب الإسرائيلية الخفية التي بدأت بعد انسحاب الجيش من القطاع، وتهدف إلى تصفية كل صوت حر أو عدسة توثق الحقيقة.
واعتبر كثيرون أن هذه الجريمة تندرج ضمن “مخطط الاحتلال لمرحلة ما بعد الحرب”، إذ يسعى إلى قتل الصحفيين والميدانيين الذين لم تستطع طائراته الوصول إليهم. فبعد أن فشل في إسكاتهم بالقصف، لجأ إلى زرع عملائه داخل غزة لتنفيذ الاغتيالات بدم بارد، في محاولة لخلق فوضى داخلية تُظهر غزة وكأنها تعيش حربًا أهلية، وليس صراعًا مع قوة احتلال.
اغتيال سردية المقاومة: من القصف إلى التشويه
يرى مراقبون أن الهدف من هذه العمليات لا يقتصر على إسكات الصحفيين، بل يمتد إلى ضرب السردية الأخلاقية للقضية الفلسطينية. فحين يُصوَّر الصراع داخل غزة كصراع داخلي على النفوذ، تُطمس معالم الاحتلال، وتُقدَّم المقاومة على أنها “ميليشيات متناحرة”، وهي الرواية التي تحاول إسرائيل وأمريكا وبعض الأنظمة العربية الترويج لها منذ بدء العدوان.
ويرى ناشطون أن اغتيال الجعفراوي يأتي ضمن هذه الحرب النفسية، التي تسعى لإضعاف ثقة الفلسطينيين بمقاومتهم، عبر تشويه صورتها إعلاميًا، واستهداف كل من يوثق تضحياتها.
كما أن تصفية الصحفيين المستقلين، الذين لا يتبعون أي جهة سياسية أو أمنية، هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف لتجفيف مصادر الصورة الحرة التي تفضح الاحتلال. فالمحتوى الذي نشره الجعفراوي عبر حسابه في “إنستغرام” – والذي أُغلق مرارًا بسبب ضغط اللوبي الصهيوني – كان يوثق لحظات إنسانية مؤثرة ويُحرج الإعلام الغربي بانحيازه الفج. لذلك لم يكن مستغربًا أن يُستهدف بهذه الطريقة الجبانة.
وصية الشرف والكلمة
قبل رحيله بأيام، نشر الجعفراوي وصيته الأخيرة التي أصبحت رمزًا للمقاومة الإعلامية في غزة:
“أنا صالح، أترك وصيتي هذه، لا وداعًا بل استمرارًا لطريق اخترته عن يقين. يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهد وقوة لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي. عشت الألم والقهر بكل تفاصيله، وذقت الوجع وفقد الأحبة مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي”.
كلماته بدت كأنها نبوءة الوداع الأخير، لكنها أيضًا إعلان استمرار الطريق لكل من بقي يحمل الكاميرا في وجه الرصاص. لقد اختار الجعفراوي “طريق الوعي والموقف”، مؤمنًا بأن الصورة يمكن أن تهزم الصاروخ، وأن العدسة قد تُسقط رواية الاحتلال مهما حاول تشويهها.
الاحتلال يفرح والضمير العالمي يصمت
في مشهد يعكس عمق الانحدار الأخلاقي، تداول الإعلام العبري خبر اغتيال الجعفراوي بشماتة واضحة، إذ نشرت بعض المواقع الإسرائيلية تفاصيل عن العائلة التي نفذت الجريمة، ووصفتها بأنها “مناهضة لحماس”، بينما احتفى متطرفون على منصات التواصل بما أسموه “تصفية عميل للمقاومة الإعلامية”. هذا التفاعل كشف الوجه الحقيقي للمجتمع الإسرائيلي الذي يرى في الكلمة عدوا أخطر من الصاروخ.
أما المؤسسات الدولية، فالتزمت صمتًا مطبقًا رغم أن الجريمة تندرج ضمن جرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي، إذ يُعد استهداف الصحفيين جريمة موثقة في ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، لم تُصدر الأمم المتحدة ولا المنظمات الحقوقية الكبرى أي بيان إدانة واضح، ما يعزز شعور الفلسطينيين بأن العدالة الدولية انتقائية وصامتة أمام الدم الفلسطيني.
ذاكرة لا تموت
رحل صالح الجعفراوي جسدًا، لكن صوره التي التقطها وسط الركام ستظل شاهدًا على جرائم الاحتلال وضميرًا نابضًا في ذاكرة الغزيين. سيبقى في وجدان كل من تابع صوره وهو ينقذ طفلاً أو يوثق لحظة قصف، رمزًا للصدق والإصرار.
لقد حاول الاحتلال أن يقتل الصورة، لكنه أحياها بدم صاحبها. وكما كتب أحد المغردين:
“قتلوا صالح، لكنهم نسوا أن كل عدسة في غزة صارت صالحًا جديدًا، تواصل الطريق”.
إن اغتيال الجعفراوي لم يُنهِ مهمته، بل أطلقها في وجدان كل من آمن بأن نقل الحقيقة هو فعل مقاومة لا يقل عن حمل السلاح، وأن الصورة، حين تُلتقط في لحظة صدق، قد تُخلّد أكثر من أي رصاصة.
اقرأ أيضًا : أجهزة داخلية غزة تنتشر في مناطق الانسحاب الإسرائيلي وتؤكد: الأمن لن يغيب والمقاومة باقية