تعيش مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور على وقع مأساة جديدة، بعد أن تحولت مراكز الإيواء إلى ساحات للموت إثر قصف دموي استهدف المدنيين العزل. وفي بيان شديد اللهجة، طالبت الأمم المتحدة اليوم الأحد بوقف فوري للهجمات على المدنيين، محذّرة من أن استمرار هذا النمط من القتل المتعمد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأكدت المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون أن ما يجري في الفاشر يمثل استهدافًا ممنهجًا ومتكرّرًا للمدنيين، مشددة على أن المستشفيات ومراكز الإيواء لا يجب أن تكون أهدافًا عسكرية تحت أي مبرر. ودعت إلى تحقيقات نزيهة وشاملة لمحاسبة المسؤولين عن المجازر الأخيرة.

قصف دموي واتهامات للدعم السريع

بحسب تقارير ميدانية، فقد استهدفت طائرات مسيرة موقعًا يؤوي نازحين في حي الدرجة الأولى بمدينة الفاشر بين مساء الجمعة وصباح الأحد، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 57 مدنيًا بينهم نساء وأطفال.

ووجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى قوات الدعم السريع التي تحاصر المدينة منذ مايو/أيار 2024، إذ يرى ناشطون ومراقبون أن النمط المتكرر للهجمات واستخدام الطائرات المسيّرة يشير إلى قدرات عسكرية متطورة لا تملكها الميليشيات المحلية، ما يعزز فرضية الدعم الخارجي، خصوصًا من الإمارات التي تتهمها جهات دولية ومحلية بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والتمويل والمرتزقة.

لكن قوات الدعم السريع نفت عبر بيان على تليغرام مسؤوليتها عن القصف، معتبرة أن اتهامها “جزء من حملة تضليل لتشويه سمعتها”. إلا أن نفيها لم يقنع الكثيرين، خاصة أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن المدينة محاصرة تمامًا من قبل هذه القوات، وأن القصف جاء من اتجاهات تسيطر عليها.

الإمارات.. الممول الخفي في حرب الإبادة

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، تتواتر التقارير حول دور الإمارات في تغذية الصراع. فقد كشفت وثائق استخبارية وإعلامية غربية أن أبوظبي قدمت دعمًا عسكريًا ولوجستيًا واسعًا لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) عبر وسطاء في إفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا.

وتتهم الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي الإمارات بأنها تؤجج النزاع لتحقيق مصالح اقتصادية في الذهب السوداني وموانئ البحر الأحمر، في الوقت الذي تغض فيه الدول الغربية الطرف عن هذه الانتهاكات بسبب المصالح النفطية والتجارية المشتركة.

وبينما تنفي أبوظبي أي تورط مباشر، تشير الوقائع إلى أن الأسلحة الحديثة والطائرات المسيّرة التي تُستخدم في دارفور لا يمكن أن تصل إلى الميدان من دون دعم خارجي منظم. ولهذا يرى مراقبون أن الإمارات تحولت إلى الراعي المالي والسياسي الأول للميليشيات المتمردة في السودان.

تواطؤ دولي وصمت أممي

انتقد مجلس السيادة السوداني ما وصفه بـ”الصمت الدولي المخزي” إزاء الجرائم التي تُرتكب في الفاشر ومدن السودان الأخرى، معتبرًا أن موقف الأمم المتحدة “يتسم بالبيانات الناعمة التي لا توقف القتل”.

هذا الانتقاد يعكس خيبة أمل السودانيين من الموقف الدولي الذي اكتفى بالإدانة اللفظية دون فرض عقوبات أو حظر تسليح على الأطراف المتورطة. وعلى الرغم من تقارير الأمم المتحدة المتكررة حول جرائم الدعم السريع، فإن مجلس الأمن لم يتمكن من تمرير أي قرار رادع بسبب الانقسامات بين القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، يقول خبراء إن استمرار الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع تحت أنظار المجتمع الدولي، يعكس ازدواجية المعايير الغربية التي تدين في العلن وتغض الطرف في الخفاء، خاصة في ظل صفقات الطاقة والاستثمارات الخليجية الضخمة في أوروبا والولايات المتحدة.

الفاشر.. المدينة المحاصرة بين الموت والجوع

منذ شهور، تخضع مدينة الفاشر لحصار خانق من قبل قوات الدعم السريع التي تسعى لانتزاعها من قبضة الجيش السوداني، لكنها فشلت في كسر دفاعات الفرقة السادسة مشاة رغم الهجمات المتكررة. ومع ذلك، فإن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر، إذ تتعرض الأحياء السكنية ومخيمات النازحين لقصف متكرر أدى إلى نزوح آلاف الأسر نحو مناطق أكثر أمانًا.

وأكدت منظمات إنسانية أن المجاعة تتفشى في مخيمات الفارين بسبب انقطاع الإمدادات الإنسانية، وعرقلة الممرات الآمنة من قبل الميليشيات المسلحة. ووصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه كارثي وغير قابل للاستمرار، محذّرة من انهيار النظام الصحي بالكامل بعد تدمير المستشفيات واستهداف سيارات الإسعاف.

حرب بلا نهاية وغياب للمساءلة

منذ أكثر من عام ونصف، تواصل الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حصد الأرواح بلا هوادة. فوفق الأمم المتحدة، تجاوز عدد الضحايا 20 ألف قتيل، بينما تشير دراسات جامعية أميركية إلى أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى 130 ألفًا، في حين تجاوز عدد النازحين واللاجئين 15 مليون إنسان، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.

ويرى مراقبون أن غياب العدالة الدولية والمحاسبة يشجع على استمرار جرائم الحرب، خصوصًا في ظل استخدام المرتزقة الأجانب والأسلحة المحظورة. ويطالب ناشطون سودانيون المجتمع الدولي بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة حول دور الإمارات في تمويل الميليشيات، وفرض عقوبات فورية على الجهات الضالعة في تدمير دارفور.

خلاصة:

ما يجري في الفاشر ليس مجرد صراع داخلي بين جيش وميليشيا، بل هو نتاج تدخل خارجي مدفوع بالمصالح، تتصدره الإمارات التي ألهبت الحرب بالمال والسلاح. وبينما تواصل الأمم المتحدة إطلاق بيانات الشجب، يواصل المدنيون في دارفور دفع الثمن من دمائهم وجوعهم، في مشهد يختصر خيانة العالم لصوت العدالة والإنسانية.

اقرأ أيضًا : “مستعدون للقتال إذا استأنف الاحتلال الحرب”.. المقـ.ـاومة تؤكد ثباتها على المبدأ