أثار اللقاء الذي جمع نائب رئيس الوزراء الفلسطيني حسين الشيخ مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في العاصمة الأردنية عمّان، يوم الأحد الماضي، جدلاً واسعاً في الأوساط الفلسطينية والعربية، لما يحمله من دلالات تتعلق بمستقبل غزة وترتيبات “اليوم التالي للحرب”.

الشيخ أعلن عبر منصة إكس أن اللقاء تطرق إلى “سبل إنجاح جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهادفة إلى وقف الحرب وإقامة السلام الدائم”، مضيفاً أن الطرفين ناقشا آليات وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات، الإفراج عن الأسرى، والانطلاق نحو مرحلة “إعادة الإعمار”.

لكن خلف هذا الخطاب الدبلوماسي المألوف، يرى مراقبون أن الاجتماع ليس بريئاً، بل يأتي ضمن مساعٍ غربية لإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية وتمكينها من السيطرة على قطاع غزة، في إطار خطة سياسية – أمنية أوسع تسعى إلى تحييد المقاومة الفلسطينية وتفريغ انتصارها من مضمونه السياسي والميداني.

ترامب وبلير.. هندسة ما بعد الحرب

اللقاء جاء بعد أيام من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن المرحلة الأولى من خطة وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل، إثر مفاوضات غير مباشرة في شرم الشيخ، شاركت فيها تركيا ومصر وقطر تحت إشراف أمريكي مباشر.

وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ ظهر الجمعة الماضية، ونص على وقف شامل للحرب، انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي، تبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية بشكل فوري.

إلا أن أخطر ما تضمنته الخطة هو البند المتعلق بـ”نزع سلاح حركة حماس” وتشكيل حكومة انتقالية تكنوقراطية غير سياسية لإدارة القطاع، تخضع لإشراف ما يسمى “مجلس السلام الدولي” برئاسة ترامب وعضوية بلير وعدد من القادة الدوليين.

ويرى محللون أن هذه البنود تشكل غطاءً سياسياً لتصفية بنية المقاومة وإخراجها من المعادلة، مقابل منح السلطة الفلسطينية دوراً شكلياً في إدارة الشؤون المدنية والأمنية، بما يكرس واقعاً جديداً يضمن الأمن الإسرائيلي ويمنع تكرار أي مواجهة مسلحة مستقبلاً.

خطة بلير.. إدارة مشروطة وتمويل غربي

صحيفة هآرتس العبرية كانت قد كشفت أواخر سبتمبر الماضي عن تفاصيل خطة بلير لما بعد الحرب، والتي تتضمن إنشاء ثلاث قوات أمنية بتمويل غربي يتجاوز 387 مليون دولار، بهدف “فرض الأمن والنظام” في القطاع.

وتنص الخطة على أن تتولى هذه القوات إدارة الموانئ والمعابر والمناطق الحدودية بالتعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية، تمهيداً لتسليم غزة إلى السلطة في “المرحلة اللاحقة”، دون تحديد جدول زمني واضح لذلك.

ويرى مراقبون أن بلير، الذي لعب دوراً محورياً في شرعنة غزو العراق عام 2003، يحاول اليوم العودة إلى المسرح السياسي من بوابة غزة، متقمصاً دور “رجل السلام”، بينما يحمل مشروعه جوهر الوصاية الغربية على القرار الفلسطيني.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن بلير يتحرك بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب والاتحاد الأوروبي، ضمن ما يُعرف بـ”التحالف الإقليمي الجديد”، الذي يسعى إلى دمج إسرائيل تدريجياً في المنطقة عبر ترتيبات أمنية مشتركة، مستفيداً من حالة الإنهاك العربي والانقسام الفلسطيني الداخلي.

السلطة والرهان على العودة إلى غزة

لقاء الشيخ – بلير يعبّر عن رهان السلطة الفلسطينية على عودة محتملة إلى قطاع غزة بعد غياب دام أكثر من 17 عاماً، وهو ما تحاول فرضه بدعم أمريكي وأوروبي وتواطؤ عربي.

فمنذ اندلاع الحرب، حاولت القيادة الفلسطينية تقديم نفسها كـ”البديل الشرعي” لإدارة غزة، متجاهلةً أن المقاومة هي من صمدت وانتزعت اتفاق وقف النار من إسرائيل بعد 735 يوماً من القصف والتدمير.

ويؤكد مراقبون أن السلطة لم تُخفِ رغبتها في تولي زمام الأمور في القطاع، لكنها تواجه معضلة الشرعية الشعبية؛ إذ تُتهم بالتنسيق الأمني مع الاحتلال وفقدان الثقة داخل الشارع الفلسطيني.

ويرى آخرون أن إعادة تمكين السلطة في غزة وفق الرؤية الأمريكية – البريطانية – الإسرائيلية، ليست سوى إعادة إنتاج لاتفاق أوسلو بنسخة جديدة، هدفها تجريد المقاومة من إنجازها العسكري والسياسي، وتحويل القطاع إلى منطقة أمنية خاضعة للرقابة الدولية.

أرقام دامية وسياق إبادة

تأتي هذه التحركات السياسية في وقتٍ لا تزال فيه جراح غزة تنزف.

فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أسفر العدوان الإسرائيلي عن استشهاد أكثر من 67 ألف فلسطيني وإصابة نحو 170 ألف آخرين، أغلبهم من النساء والأطفال. كما أدت المجاعة والحصار إلى وفاة 463 فلسطينياً، بينهم 157 طفلاً، وفق إحصاءات رسمية وحقوقية فلسطينية.

وتصف تقارير أممية ودولية ما جرى بأنه إبادة جماعية بدعم أمريكي مباشر، حيث تم تدمير البنية التحتية الصحية والتعليمية والاقتصادية للقطاع بالكامل، ما يجعل الحديث عن “إعادة إعمار” سريعة وهشة غطاءً لتبييض وجه الاحتلال وليس لمداواة آثار الجريمة.

خاتمة: الانقضاض على المقاومة باسم السلام

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن اللقاء بين حسين الشيخ وتوني بلير ليس سوى حلقة في سلسلة محاولات لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني بما يتناسب مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

فالحديث عن “اليوم التالي للحرب” لا ينفصل عن مشروع سياسي وأمني يهدف إلى تحييد المقاومة وتجريم سلاحها، وفرض سلطة تكنوقراطية ضعيفة لا تمثل إرادة الشارع الفلسطيني.

وإذا كان الغرب قد فشل في كسر المقاومة ميدانياً، فإنه يحاول اليوم الالتفاف على إنجازها سياسياً، مستغلاً حاجة الناس إلى الهدوء والمساعدات وإعادة الإعمار.

لكن التاريخ الفلسطيني، كما يرى كثير من المحللين، يُظهر أن كل محاولات الوصاية الخارجية على القرار الفلسطيني انتهت إلى الفشل، وأن أي تسوية لا تنطلق من حقوق الشعب الفلسطيني في التحرر والسيادة الكاملة ستظل حبراً على ورق مهما حملت من أسماء لامعة كترامب أو بلير.

اقرأ أيضًا : غزة بعد الاتفاق مباشرة.. بدء عملية تبادل الأسرى في أول فصول ما بعد الحرب