بمشاهدٍ تفيض بالعزة والكرامة، واكبت الصحف العربية لحظاتٍ استثنائية مع بدء توافد أولى دفعات الأسرى الفلسطينيين المحرَّرين إلى كلٍّ من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، ورام الله في الضفة الغربية المحتلة. هذه المشاهد لم تكن مجرد تغطية صحفية، بل شهادة حية على لحظة انتصار إنساني وأخلاقي انتُزعت من قلب المعاناة.

فقد بدأت عملية الإفراج صباح الاثنين، مع دخول أولى الحافلات التي تقل الأسرى المحرَّرين من سجون الاحتلال إلى غزة والضفة، ضمن صفقة التبادل التي تم التوصل إليها بين المقاومة الفلسطينية وتل أبيب برعاية دولية، وضمانات بإتمام وقف إطلاق النار بعد حربٍ استمرت أكثر من عامين.

في مشهدٍ إنساني مؤثر، رصد الإعلام استقبالاً حاشداً في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، حيث احتشدت آلاف العائلات في الميدان وعلى الطرق المؤدية إلى المستشفى، ترفع صور أبنائها وتبكي فرحاً وهم يعانقون الحرية لأول مرة منذ سنوات. بدا واضحاً أن الغزيين لم ينتظروا “إذن الاحتلال” لاستقبال أسراهم، بل عادوا إليهم رغم أنفه، وسط أجواء احتفالية مهيبة امتزجت فيها التكبيرات بالدموع والهتافات.

أجساد أنهكها الأسر وقلوب تنبض بالحياة

لم تكن لحظة الوصول مجرّد احتفال رمزي، بل لحظة مواجهة صريحة بين الجريمة والصمود. فمع نزول الأسرى من حافلات الصليب الأحمر، بدت على وجوههم علامات التعب والحرمان، وأظهرت أيديهم وأرجلهم آثار التعذيب الذي مورس بحقهم داخل سجون الاحتلال.

الطواقم الطبية في مجمع ناصر الطبي استنفرت فور وصول الدفعة الأولى لإجراء فحوصات عاجلة والتأكد من سلامتهم. وأكد أحد الأطباءأن العديد من الأسرى وصلوا بحالات ضعف شديد في البنية الجسدية، نتيجة سياسة التجويع المتعمد، والحبس الانفرادي، والإهمال الطبي، وهي الممارسات التي وثقتها منظمات حقوقية خلال السنوات الماضية.

غير أن العزيمة كانت أقوى من آثار السجن؛ فقد رفع بعض الأسرى أيديهم عالياً وهم يرددون شعارات النصر والمقاومة، فيما كان آخرون يلوّحون بالأعلام الفلسطينية مرددين: “الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع”. كانت لحظة تختصر صمود شعبٍ واجه الجدران والأسلاك الشائكة بالإيمان والإصرار.

رام الله… استقبال رسمي وشعبي يفيض بالعاطفة

في الضفة الغربية، لم يختلف المشهد كثيراً. فمدينة رام الله شهدت احتفالات حاشدة بوصول الأسرى المحررين من سجن “عوفر” الإسرائيلي، حيث رُفعَت الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء والأسرى القدامى، وعلت الهتافات التي تمجد المقاومة وتندد بالاحتلال.

شارك في الاستقبال ذوو الأسرى ومئات المواطنين الذين احتشدوا منذ ساعات الصباح، وسط وجود أمني مكثف لتأمين الموكب. وعلى الرغم من محاولات الاحتلال الحدّ من المظاهر الاحتفالية في الضفة، فإن المشهد الشعبي كان أقوى من الإجراءات.

تحدث أحد الأسرى المحررين قائلاً: “خرجنا من السجون لنجد شعبنا أكثر ثباتاً مما تركناه، والاحتلال أضعف مما كان يتظاهر به”، مضيفاً أن سنوات الاعتقال الطويلة “لم تقتل فينا الأمل بل زادته صلابة”.

أما في غزة، فالأجواء حملت رمزية خاصة. فكل شارع بدا كأنه يستقبل أحد أبنائه، وكل بيت علّق راية فرحٍ صغيرة. فقد تحوّلت لحظة الإفراج إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي على استمرار المقاومة وقدرتها على فرض شروطها رغم العدوان والحصار.

صفقة تبادل تؤكد ميزان الردع الجديد

مصادر من مكتب إعلام الأسرى في غزة أكدت أن عملية الإفراج شملت مئات الأسرى الفلسطينيين ضمن المرحلة الأولى من الصفقة، من بينهم أسرى محكومون بالمؤبد، وآخرون تم إبعادهم إلى الخارج.

وأوضح المكتب أن “38 حافلة تقل أسرى القطاع المفرج عنهم” غادرت السجون الإسرائيلية باتجاه معبر بيت حانون شمال غزة، فيما جرى نقل 154 أسيراً مبعداً إلى مصر، لإتمام إجراءات الإفراج النهائية.

هذه الصفقة، بحسب محللين تحدثوا تعكس توازناً جديداً في معادلة الصراع. فالمقاومة التي واجهت أعتى آلة عسكرية خلال الحرب الأخيرة، استطاعت أن تفرض إرادتها في الميدان والسياسة معاً. فإطلاق سراح هذا العدد الكبير من الأسرى لم يكن ليتحقق لولا قدرة المقاومة على الثبات الميداني، والتفاوض من موقع القوة، لا الاستجداء.

ويشير مراقبون إلى أن الاحتلال الإسرائيلي، الذي دأب على التلويح بشعار “لن نفاوض تحت النار”، اضطر في النهاية إلى التوقيع على اتفاق تحت ضغط النيران ذاتها، ما مثّل ضربة قاسية لصورة “الردع الإسرائيلي” التي حاول ترميمها طوال عامين من القصف والحصار.

كرامة تنتصر على السجان

لحظة وصول الأسرى لم تكن مجرد مشهد سياسي، بل كانت اختباراً لقيم الكرامة الوطنية. فكل ابتسامة أسير عائد كانت تحمل رسالة واضحة: أن الاحتلال مهما امتلك من القوة فلن يستطيع كسر إرادة الإنسان الفلسطيني.

ومع توثيق كاميرات الإعلام للحظة العناق بين الأمهات وأبنائهن، والأطفال الذين تعرّفوا على آبائهم بالكاد بعد غياب طويل، بدت غزة ورام الله كأنهما جسد واحد يتنفس الفرح بعد سنين من الاختناق.

لقد أكدت هذه اللحظة التاريخية أن المقاومة لا تُهزم، وأن الأسرى الذين خرجوا اليوم من ظلمات الزنازين خرجوا كرموزٍ للكرامة والصمود. أما الاحتلال، فوجد نفسه أمام مشهدٍ لا يستطيع التحكم فيه، ولا إيقافه، ولا حتى تشويهه، لأن الحقيقة هذه المرة خرجت رغماً عن أنفه، تحملها وجوهٌ أنهكها الأسر لكنها ما زالت تنبض بالحياة.

خاتمة:

بهذا المشهد الإنساني والسياسي الكبير، كتبت فلسطين فصلاً جديداً في مسيرة نضالها، إذ عاد أبناؤها إلى أحضانها دون إذنٍ من جلادهم. عادوا لأن إرادة الشعوب الحرة لا تُسجن، ولأن ما فُرض بقوة السلاح لا يُكرَّس إلا بقوة الصمود. لقد كانت عودة الأسرى الفلسطينيين اليوم إعلاناً آخر عن أن زمن الإذلال انتهى، وأن زمن الكرامة بدأ.

اقرأ أيضًا : باعتراف إسرائيلي.. الاحتلال وراء الفوضى في غزة والمقاومة تعيد الأمن إلى الشوارع