في ساعة مبكرة من فجر الأربعاء، دوّت سلسلة انفجارات عنيفة شمال مدينة أم درمان، إحدى مدن العاصمة السودانية الثلاث، وسط تحليق مكثّف لمسيرات لم تُعرف هويتها بعد، في مشهد يعيد إلى الواجهة تصاعد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
ورغم أن البيان الرسمي لم يصدر بعد عن قيادة الجيش، فإن الترجيحات الميدانية تشير إلى أن المسيرات المستخدمة في الهجوم تحمل بصمات الطائرات الانقضاضية التي استُخدمت سابقًا في جبهات دارفور وكردفان، وهي المسيرات التي تشير تقارير عدة إلى أن مصدرها الرئيسي هو الإمارات، التي يُتهم نظامها بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والمعلومات اللوجستية.

تصعيد جديد بعد هجمات متزامنة
بحسب مراسل الجزيرة، سُمع دوي انفجارات متتالية تزامنت مع تصدي المضادات الأرضية التابعة للجيش السوداني، بينما تصاعدت أعمدة الدخان من عدة مواقع شمالي أم درمان. ويأتي هذا الهجوم بعد أقل من 24 ساعة من غارات مشابهة استهدفت منطقة “الدبة” في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص بينهم طلاب بكلية الهندسة. وقبلها بيوم واحد، استهدفت مسيّرات أخرى منطقة “عد بابكر” شرق الخرطوم، في هجوم أودى بحياة شخصين وأصاب اثنين آخرين، ما يشير إلى موجة متصاعدة من الضربات الجوية المجهولة المصدر، والتي أصبحت أحد أبرز مظاهر الحرب المعقدة التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عام ونصف.
الهجمات الأخيرة تؤكد أن الحرب لم تعد تقتصر على الميدان البري، بل انتقلت بوضوح إلى مستوى “الاشتباك الجوي”، وهو تطور خطير يفتح الباب أمام مزيد من الانهيار الأمني وتدويل الصراع، في ظل صمت المجتمع الدولي وعجز الأمم المتحدة عن فرض أي مسار واضح لوقف إطلاق النار.
اتهامات بتورط إماراتي.. ومسيرات “الظل”
اللافت أن نوعية الهجمات بالمسيرات خلال الأسابيع الأخيرة تتطابق في طبيعتها مع نمط الهجمات التي اتُهمت فيها الإمارات سابقًا بتزويد قوات الدعم السريع بها. فالمسيرات “الانقضاضية” التي تُحدث دمارًا واسعًا وتستهدف مراكز محددة بدقة، شُوهدت سابقًا في المعارك حول مدينتي الفاشر ونيالا، قبل أن تتوسع إلى قلب العاصمة.
وتشير تقارير استخباراتية وإعلامية دولية، بينها تقارير من صحيفة وول ستريت جورنال، إلى أن أبوظبي أقامت جسورًا جوية لنقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر تشاد وليبيا وإريتريا. ورغم نفي السلطات الإماراتية المتكرر، إلا أن طبيعة التسليح النوعي الذي حصلت عليه قوات حميدتي –وخاصة الطائرات المسيّرة– لا يمكن تفسيره دون دعم خارجي منظم.
وبالنظر إلى نمط الهجوم على أم درمان، فإن استخدام أكثر من مسيّرة في وقت متزامن، وتحديد الأهداف في محيط عسكري حساس، يرجح وقوف جهة تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة خلف العملية، وهي قدرات لا تملكها القوات السودانية المتمردة داخليًا دون دعم خارجي مباشر.
الجيش يرد في دارفور.. وتوازن القوة يتبدل
وفي تطور لاحق صباح اليوم نفسه، أفادت مصادر عسكرية سودانية للجزيرة بأن الجيش دمّر عددًا من مقار الدعم السريع بمدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، في قصف مدفعي وجوي مركز، ما يشير إلى أن الجيش يسعى لردع خصومه عبر ضربات استباقية. هذه التحركات المتبادلة تؤكد أن الصراع بين الطرفين بات يتخذ شكل “حرب المدن المتقطعة”، حيث تنتقل المواجهات من العاصمة إلى الأقاليم ثم تعود في دوامة لا تنتهي.
ويرى محللون أن الجيش يحاول تعويض تفوق الدعم السريع في استخدام المسيّرات، عبر تعزيز دفاعاته الجوية وإعادة تنظيم خطوط الإمداد في العاصمة، بينما تسعى قوات حميدتي إلى إبقاء الضغط المستمر على الجيش لشل قدرته على المبادرة.
حرب مُستنزفة وتدهور إنساني
منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل/نيسان 2023، تحولت الخرطوم ومدن السودان الكبرى إلى ساحات معارك مدمرة. وقد أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص، ونزوح ولجوء ما يزيد على 15 مليونًا، وفق تقديرات الأمم المتحدة، ما يجعلها واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم حاليًا.
وتشير المنظمات الحقوقية إلى أن المدنيين أصبحوا ضحايا رئيسيين لهذه الحرب، إذ تُنفذ الهجمات غالبًا في مناطق مأهولة، فيما يُستخدم السكان كدروع بشرية في بعض الأحيان. أما البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، فقد تعرضت لدمار واسع، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للخدمات العامة في العاصمة.
تدويل الصراع وتبدد الآمال بالسلام
يرى مراقبون أن تكرار الهجمات الجوية بالطائرات المسيّرة يعكس تحول الحرب السودانية إلى حرب إقليمية بالوكالة، إذ باتت أطراف خارجية –وفي مقدمتها الإمارات– طرفًا غير معلن في المعادلة العسكرية. هذا التورط يعقّد فرص الوصول إلى تسوية سلمية، ويقوض الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء القتال.
وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض حظر فعال على تصدير السلاح إلى السودان، تبدو البلاد متجهة نحو مزيد من التشرذم، مع اتساع رقعة القتال وظهور فاعلين جدد يسعون إلى تحقيق مصالح اقتصادية وجيوسياسية عبر تغذية النزاع.
خاتمة: سماء أم درمان تحترق
مع توالي الانفجارات فوق أم درمان، يتأكد أن الحرب السودانية دخلت طورًا أكثر خطورة، عنوانه التفوق الجوي عبر المسيرات، ومضمونه صراع النفوذ الإقليمي الذي يُدار من خلف الستار. وبينما تتواصل المعارك بلا أفق سياسي، يبقى المدنيون تحت النار، والبلاد رهينة لصراعٍ تتجاوز حدوده الخرطوم، ليمتد إلى عواصم الخليج والقرن الأفريقي حيث تُصنع الطائرات وتُموَّل الحروب.
اقرأ أيضًا : مظاهرات دارفور وتشاد.. عدالة ناقصة في ظل جرائم الإمارات في السودان