بين سطور خطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة أمام الكنيست الإسرائيلي، لم يكن “السلام” سوى غطاء بلاغي لتوسّع استعماري جديد، يعيد إنتاج فكرة “إسرائيل الكبرى” تحت عباءة “الازدهار الإقليمي”.
فبينما ركّزت وسائل الإعلام على عباراته عن “نهاية الحرب” و“العصر الذهبي للشرق الأوسط”، جاءت تصريحاته الصريحة حول “إسرائيل أقوى وأكبر وأفضل” لتكشف عن نوايا أكثر خطورة، تُعيد رسم حدود القوة في المنطقة على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية.

“إسرائيل أكبر”.. خطاب الانتصار والتوسع
في خطابه أمام الكنيست، خاطب ترامب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بعباراتٍ احتفالية: “لقد انتصرتم، والآن حان وقت تحويل هذا الانتصار إلى سلام وازدهار”، لكنه أضاف جملة مفتاحية: “لنجعل إسرائيل أقوى وأكبر وأفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى”.
تلك العبارة لم تكن زلة لسان، بل استمرار لخط متصاعد من التصريحات التي تكرّس تفوق إسرائيل الجغرافي والعسكري والاقتصادي، وتدفع نحو تثبيت واقع استيطاني جديد في الأراضي الفلسطينية.
هذه اللغة تكشف عن تصوّر “ترامبي” يرى أن القوة العسكرية يمكن أن تصنع “سلامًا دائمًا”، وأن ما تسميه إسرائيل “انتصارًا” هو لحظة مناسبة لتوسيع مشروعها السياسي. لم يتحدث ترامب عن العدالة أو إنهاء الاحتلال، بل عن “جائزة كبرى” تنتظر إسرائيل بعد الحرب، في إشارة إلى حصادٍ سياسي لتفوقٍ عسكري دموي.
اللافت أن ترامب حرص على شكر نتنياهو قائلًا: “توقيت وقف إطلاق النار رائع… ستُذكر بهذا أكثر من استمرار القتل”. وكأن دعوته لوقف الحرب لم تأتِ بدافعٍ إنساني، بل كمحطة تكتيكية لتثبيت “النصر الإسرائيلي” وتحويله إلى واقع دائم.
“السلام بالسلاح”.. القوة بدل العدالة
حين قال ترامب في الكنيست: “لدينا أسلحة لم يحلم بها أحد، وآمل ألا نضطر لاستخدامها… كثير من هذه الأسلحة قدمناها لإسرائيل”، فقد قدّم رؤية جديدة للسلام: سلامٌ تُفرض شروطه بالقوة الأمريكية والإسرائيلية معًا.
العبارة تترجم جوهر فلسفة “السلام بالسلاح” التي يروج لها ترامب منذ حملاته الانتخابية الأولى — حيث يصبح التفوق العسكري ضمانة “للسلام”، وليس العدالة أو الاعتراف بالحقوق.
تاريخيًا، استخدم ترامب نفس المعادلة في أكثر من ملف. فهو الذي أعلن اعتراف واشنطن بسيادة الاحتلال على الجولان عام 2019، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ودعم سياسة التطبيع عبر “اتفاقيات أبراهام”، ثم عاد في 2025 ليبني على ما سماه “زخم اتفاق غزة” لتوسيع التطبيع مع دول عربية جديدة.
كل تلك القرارات لم تكن “وساطات سلام”، بل كانت خطوات لشرعنة الاحتلال وتوسيعه، مستخدمًا خطاب “القوة الرادعة” لتبرير كل انتهاك.
وفي قمة شرم الشيخ الأخيرة، قال ترامب صراحةً: “نقلنا الأسلحة إلى إسرائيل لاستخدامها في غزة… نحن نصنع أفضل الأسلحة في العالم، وقد قدمنا الكثير منها لإسرائيل”. هذا التصريح ينسف أي حديث عن “وساطة أمريكية”، ويكشف أن إدارة ترامب ترى في القوة العسكرية وسيلة لتحقيق الاستقرار المزعوم، حتى لو كان الثمن عشرات آلاف الضحايا الفلسطينيين.
مشروع “إسرائيل الكبرى” يعود بلغة جديدة
في سياق أوسع، تتجاوز خطابات ترامب مجرد المجاملة السياسية. فحديثه المتكرر عن “صِغَر مساحة إسرائيل” وعن ضرورة جعلها “أكبر” يعيد إحياء فكرة “إسرائيل الكبرى”، التي طرحها اليمين الديني الصهيوني منذ تأسيس الدولة العبرية.
ترامب وصف إسرائيل بأنها “رأس القلم في خريطة الشرق الأوسط”، وقال إن “هذا ليس جيدًا لأنها صغيرة جدًا”، ملمحًا إلى أن توسعها أمر “طبيعي” ضمن رؤيته للأمن الإقليمي.
هذا التوجه انسجم تمامًا مع خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة عام 2023، حين عرض خريطة لدولة إسرائيل تضم غزة والضفة الغربية، متفاخرًا بما سماه “التكامل الجغرافي الجديد”.
واليوم، يأتي ترامب ليمنح تلك الخريطة غطاءً أمريكيًا جديدًا، من خلال مشروع “إعادة إعمار غزة في موقع آخر”، واقتراحه على مصر والأردن استقبال الفلسطينيين كلاجئين دائمين. وهي فكرة تمثل — من الناحية القانونية — تطهيرًا عرقيًا مغطى بعبارات “إعادة التوطين” و“البناء”.
كما أن حديث ترامب عن “سيطرة أمريكية على غزة” بعد الحرب، ووعوده بتوفير مساكن للفلسطينيين “في موقع آخر”، يكشف عن مشروع تهجير منظم، وليس عن خطة سلام. هذا الموقف تكرّر في لقاءاته مع نتنياهو والملك عبد الله الثاني، حين قال: “سنسيطر على غزة، سنستولي عليها ونعتز بها”. إنها رؤية استعمارية مباشرة، تُحوّل القطاع إلى منطقة نفوذ أمريكي-إسرائيلي، وتُقصي الفلسطينيين عن أرضهم نهائيًا.
“السلام بالقوة”.. إعادة تعريف الشرق الأوسط
تُعيد خطابات ترامب تعريف “السلام” وفق منطق السوق والقوة؛ فبدلًا من حلٍّ عادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يقدّم رؤية اقتصادية استبدالية: منح الفلسطينيين “فرصًا اقتصادية” مقابل التنازل عن الأرض والسيادة، وتمكين إسرائيل من قيادة المنطقة سياسيًا واقتصاديًا.
هذا ما يفسر حديثه عن “العصر الذهبي لإسرائيل والمنطقة”، فالمقصود “شرق أوسط جديد” تتزعمه تل أبيب وتُموّله العواصم العربية الغنية، تحت إشراف أمريكي مباشر.
وبينما يصف ترامب نفسه بأنه “مهووس بوقف الحروب”، يفاخر بأنه زوّد إسرائيل “بأفضل الأسلحة في العالم” لتنتصر. هكذا يصبح “السلام” بالنسبة له نتيجةً طبيعية “لاستخدام ناجح للقوة”، لا لتسوية عادلة أو اعتراف متبادل.
خاتمة: بين “الازدهار” و”الاحتلال الأكبر”
ما تخفيه لغة ترامب المنمقة عن “الازدهار الإقليمي” هو مشروع صريح لتكريس إسرائيل كقوة مهيمنة عسكريًا وجغرافيًا واقتصاديًا، مع تحييد الفلسطينيين وإعادة صياغة المنطقة بما يخدم “إسرائيل الكبرى”.
خطابات ترامب لم تكن مجرد دبلوماسية استعراضية، بل وثيقة سياسية تحمل معالم خطة إعادة هندسة الشرق الأوسط على أساس “السلام بالقوة” — أي السلام الذي يُبنى فوق أنقاض العدالة.
اقرأ أيضًا : مظاهرات دارفور وتشاد.. عدالة ناقصة في ظل جرائم الإمارات في السودان