في خطوة أثارت موجة من الغضب داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، السبت، أن معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر سيبقى مغلقاً حتى إشعار آخر، رابطاً إعادة فتحه بتسليم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لجثامين الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لديها. القرار يأتي في وقت يعيش فيه القطاع كارثة إنسانية غير مسبوقة، بعد حرب دامت عامين خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى وملايين الأطنان من الركام.

ويبدو أن نتنياهو يستثمر المعبر كورقة ضغط سياسية في وجه حماس، مستغلاً الموقف الإنساني لتسجيل مكاسب تفاوضية داخلية وخارجية. فإغلاق المعبر لا يعني فقط وقف الحركة بين غزة والعالم، بل يشلّ بالكامل إدخال المساعدات والمعدات الطبية، ويُفاقم معاناة المرضى والجرحى الذين ينتظرون الخروج للعلاج في الخارج.

ويُعدّ معبر رفح المنفذ الوحيد تقريباً لسكان القطاع بعد تدمير المعابر الأخرى، ما يجعل قراره استمراراً لمنهج العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل بحق أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف مأساوية.

حماس تندد وتصف القرار بالابتزاز السياسي

من جانبها، أدانت حركة حماس بشدة قرار نتنياهو، ووصفت تصريحاته بأنها “انتهاك فاضح” لبنود اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي تم بوساطة إقليمية ودولية. وأكدت في بيان رسمي أن “استمرار إغلاق معبر رفح ومنع حركة المواطنين في الاتجاهين يُعد خرقاً متعمداً للاتفاقات الموقعة وتنكراً للالتزامات التي تعهدت بها إسرائيل أمام الوسطاء”.

وأضافت أن هذا الإغلاق يعطل جهود البحث عن آلاف المفقودين تحت الأنقاض، ويحرم فرق الدفاع المدني من المعدات الخاصة لانتشال الجثث وتحديد هوياتها، محذّرة من أن “إصرار نتنياهو على هذا النهج سيؤدي إلى تفجير التفاهمات الهشة ويقوض فرص استقرار الهدنة”.

وتشير مصادر فلسطينية إلى أن حماس ترى في القرار الإسرائيلي محاولة للالتفاف على التزامات الاحتلال في ملف إعادة الإعمار وتبادل الأسرى، خاصة بعد فشل حكومة نتنياهو في تحقيق أي إنجاز ملموس رغم الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع. فنتنياهو – بحسب مراقبين – يحاول تحويل أنظار الرأي العام الإسرائيلي عن إخفاقاته السياسية والعسكرية، عبر تصعيد متكرر تجاه غزة، واستخدام المعابر والملفات الإنسانية كورقة مساومة.

مواقف دولية متضاربة وضغوط أميركية حذرة

القرار الإسرائيلي تزامن مع إعلان السفارة الفلسطينية في القاهرة عن إعادة فتح المعبر ابتداءً من الاثنين لتمكين الفلسطينيين العالقين في مصر من العودة إلى غزة، قبل أن تنسف تصريحات نتنياهو هذه الخطوة.

وفي المقابل، أبدت واشنطن مواقف متناقضة، إذ أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها تلقت “تقارير موثوقة” تشير إلى نية حماس تنفيذ هجوم ضد سكان غزة، محذّرة من “إجراءات سيتم اتخاذها لحماية المدنيين والحفاظ على الهدنة”. ولم توضح الوزارة ماهية تلك الإجراءات، ما فُسّر على أنه تبرير مسبق لأي تحرك عسكري جديد يلوّح به نتنياهو.

أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فواصل نهجه الداعم لتل أبيب، مشيراً إلى أنه سيبحث السماح لإسرائيل باستئناف القتال في حال لم تلتزم حماس بالاتفاق، في إشارة إلى احتمال انهيار كامل لخطة السلام التي كان قد أعلن عنها.

ويبدو أن الإدارة الأميركية تحاول التوفيق بين رغبتها في إنهاء الحرب وتثبيت نفوذها السياسي في المنطقة، وبين ضغوط نتنياهو الداخلية الذي يواجه احتجاجات متصاعدة في إسرائيل تطالب بإقالته ومحاسبته على الفشل الأمني والسياسي خلال الحرب.

رهانات داخلية ومعركة البقاء السياسي

تحليل الموقف الإسرائيلي يُظهر أن نتنياهو لا يتصرف بدافع الأمن القومي بقدر ما يسعى للبقاء السياسي. فبعد عامين من الحرب المدمرة، يواجه انتقادات حادة من الجيش واليمين المتطرف والمعارضة على حد سواء. ومن خلال تجميد فتح معبر رفح، يحاول تصوير نفسه أمام ناخبيه كزعيم “لا يلين” أمام حماس، بينما يعطل عملياً أي تقدم نحو الاستقرار.

في المقابل، يراهن على أن التصعيد مع غزة سيعيد له شيئاً من شرعيته المفقودة، خصوصاً بعد دعوات متزايدة لمحاسبته أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب. ولذلك، فإن إغلاق المعبر لا يمكن قراءته بمعزل عن محاولته كسب الوقت وترميم صورته أمام الداخل الإسرائيلي.

أما مصر، التي تضطلع بدور الوسيط الرئيسي، فتواجه معضلة مزدوجة: فهي من جهة لا تريد التصعيد خشية انهيار اتفاق وقف النار، ومن جهة أخرى تتعرض لضغوط إسرائيلية وأميركية لإبقاء معبر رفح تحت رقابة مشددة، خاصة بعد اتهامات تل أبيب لحماس بتهريب السلاح والمقاتلين.

خلاصة المشهد: رهائن السياسة والدمار

المشهد الراهن يعكس مأزقاً مزدوجاً: فمن جهة يصرّ نتنياهو على مواصلة الابتزاز الإنساني والسياسي عبر بوابة رفح، ومن جهة أخرى تسعى حماس لتثبيت معادلة “التهدئة مقابل الحقوق الإنسانية”. وبين الطرفين، يعيش أكثر من مليوني إنسان في غزة تحت وطأة الجوع والمرض والدمار دون أفق واضح لإعادة الإعمار أو استئناف الحياة الطبيعية.

قرار إغلاق المعبر ليس مجرد إجراء إداري، بل هو امتداد لحرب نفسية وسياسية تستهدف كسر إرادة سكان القطاع، وعرقلة أي جهد دولي لإعادة الإعمار أو التهدئة. وفي ظل استمرار العناد الإسرائيلي والتردد الدولي، يبدو أن معاناة الغزيين ستطول، وأن معبر رفح سيبقى رمزاً للخذلان الإنساني قبل أن يكون بوابة عبور.

اقرأ أيضًا : قيس سعيد يواجه اتهامات بالقمع.. “الخلاص” التونسية تطالب بالتحقيق في انتهاكات السجون