رغم مرور أكثر من أسبوع على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي حيّز التنفيذ، عادت طائرات الاحتلال لتقصف قطاع غزة مجدداً، مخلّفة قتلى وجرحى ودماراً، في مشهد أعاد إلى الأذهان فصول الحرب الطويلة التي أنهكت سكان القطاع. ومع تصاعد الدخان من شمال غزة إلى رفح جنوباً، علت أصوات الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستخدم الدم الفلسطيني كوسيلة للهروب من محاكمته بالفساد والجرائم ضد الإنسانية.

الهدوء المزعوم.. اتفاق هش وانتهاكات متكررة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بوساطة أميركية، بعد مفاوضات طويلة رعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، على أمل أن يشهد القطاع فترة من الهدوء النسبي وإعادة الإعمار. غير أنّ هذا الهدوء لم يدم طويلاً، إذ فوجئ سكان غزة بسلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مناطق سكنية في جباليا ورفح، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين وجرح المئات، بينهم نساء وأطفال.

الاحتلال برّر غاراته بأنها جاءت ردّاً على إطلاق صواريخ مضادة للدروع باتجاه قواته العاملة في منطقة رفح، مدّعياً أنّ حماس خرقت الاتفاق. لكنّ رواية المقاومة الفلسطينية جاءت على النقيض، إذ أكدت كتائب القسام التزامها الكامل بوقف إطلاق النار، ونفت أي علاقة لها بما جرى، معتبرة أنّ إسرائيل تبحث عن ذرائع لاستئناف عدوانها.

ولم يكن هذا الخرق الأول؛ فوفقاً لإحصائية صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي في غزة، ارتكبت إسرائيل 47 خرقاً موثقاً للاتفاق منذ توقيعه، أسفرت عن 38 شهيداً و143 مصاباً. وتؤكد هذه الأرقام هشاشة الاتفاق واستمرار الاحتلال في نهج التصعيد، ضارباً عرض الحائط بالضمانات الدولية.

واشنطن تبرّر وتتهم.. وتعيد إنتاج الرواية الإسرائيلية

في خطوة أثارت استغراب المراقبين، أعلنت الخارجية الأميركية أن لديها “تقارير موثوقة” عن نية حماس تنفيذ “هجوم وشيك ضد المدنيين” في القطاع، معتبرة أن ذلك يشكل “انتهاكاً خطيراً” للاتفاق. لكن البيان الأميركي بدا ـ في نظر كثيرين ـ محاولة مسبقة لتبرير القصف الإسرائيلي، إذ لم تقدّم واشنطن أي دليل ملموس على صحة هذه المزاعم.

ردّت حماس على تلك التصريحات ببيان شديد اللهجة، اتهمت فيه إسرائيل بتشكيل وتمويل عصابات مسلحة لزعزعة الأمن الداخلي في غزة، مؤكدة أن الشرطة المحلية والأجهزة الأمنية تقوم بواجبها في ملاحقة هذه العصابات بمساندة مجتمعية.

تحليل سياسيون هذا الموقف الأميركي باعتباره استمراراً لسياسة “الانحياز الممنهج” لإسرائيل، حيث تبرّر واشنطن دوماً انتهاكات الاحتلال تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”، بينما تغضّ الطرف عن الجرائم اليومية بحق المدنيين. كما يرون أن الإدارة الأميركية تحاول حماية نتنياهو من الضغوط الدولية ومن الملاحقات القانونية المتزايدة.

نتنياهو تحت النار.. والشارع الإسرائيلي يغلي

تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه بنيامين نتنياهو مأزقاً داخلياً غير مسبوق. فالرجل المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب في غزة، يواجه أيضاً ملفات فساد داخلية تهدد مستقبله السياسي. ولذلك يرى كثير من المراقبين أن تصعيده العسكري الأخير في القطاع ليس سوى محاولة للهروب إلى الأمام، وصرف الأنظار عن أزماته القضائية.

وسائل إعلام إسرائيلية كشفت أن مكتب نتنياهو أصدر أوامر مباشرة بتنفيذ الغارات على رفح، بحجة “حماية الأهداف الإسرائيلية” هناك، رغم علمه المسبق بوجود مدنيين في المنطقة. بينما أشارت صحيفة “هآرتس” إلى أن بعض القيادات العسكرية حذّرت من أن استمرار القصف سيقوّض أي فرصة للاستقرار، لكن نتنياهو أصر على المضي قدماً لتحقيق “نصر إعلامي سريع” ينعكس على صورته داخلياً.

في المقابل، خرجت مظاهرات صغيرة في تل أبيب والقدس الغربية تندد بسياساته وتطالب بمحاكمته، بينما شهدت مواقع التواصل انفجاراً في الانتقادات ضده. كتب أحد المغردين: “كلما اقتربت المحكمة، قرر نتنياهو أن يشعل غزة. إنه لا يهرب من العدالة إلا بدمائنا”. وغرّد آخر: “قنابل نتنياهو ليست للدفاع عن إسرائيل، بل للدفاع عن نفسه”.

غزة بين ركام الحرب ومسرحية السياسة

على الأرض، يعيش سكان غزة بين أنقاض منازلهم التي لم تُرمم بعد، وسط أزمة إنسانية خانقة ونقص حاد في الوقود والمياه والكهرباء. وقالت وزارة الصحة إن المستشفيات تعمل فوق طاقتها القصوى، في وقت تمنع فيه سلطات الاحتلال إدخال المعدات الطبية بحجة “الأمن”.

ويرى خبراء أن تل أبيب تستخدم سياسة “الضغط المتدرج”، أي تنفيذ هجمات محدودة متقطعة، للحفاظ على حالة من الفوضى والانهيار دون العودة إلى حرب شاملة، وهو تكتيك يهدف إلى إبقاء القطاع في حالة شلل دائم.

في المقابل، يحذر محللون من أن استمرار هذا النمط من القصف قد يعيد إشعال جولة جديدة من الحرب، خصوصاً مع تصاعد الغضب الشعبي داخل غزة وخارجها، ومع تزايد المطالبات الفلسطينية والدولية بفتح تحقيق شامل في خروقات الاحتلال.

خاتمة: دماء الفلسطينيين وقود الهروب السياسي

ما يجري اليوم في غزة ليس مجرد خرق عابر لوقف إطلاق النار، بل هو حلقة جديدة من مسلسل الإفلات من العقاب الذي تمارسه إسرائيل، بدعم أميركي وصمت دولي. وبينما يواجه نتنياهو محاكمته في الداخل وملاحقته في الخارج، يبدو أنه وجد في استمرار العدوان وسيلة للبقاء في السلطة وإعادة تعبئة قاعدته اليمينية المتطرفة.

لكن ثمن هذا الهروب تدفعه غزة مرة أخرى، بدماء أطفالها وركام بيوتها وأحلام أهلها. فبينما يسعى نتنياهو لتأجيل مصيره السياسي، يعيش الغزيون مأساة متجددة عنوانها: “لا هدنة مع القاتل، ولا سلام بلا عدالة.”

اقرأ أيضًا : الصليب الأحمر يبحث عن جثامين الإسرائيليين ويتجاهل الفلسطينيين