في عالمٍ تُهيمن عليه الصور أكثر من الكلمات، اكتشفت “بي بي سي” خيوط حملة تضليل واسعة تستغل صور نساء صوماليات ومسلمات على وسائل التواصل الاجتماعي لأغراض سياسية. هؤلاء النساء، اللواتي يظهرن بابتساماتٍ بريئة وحجابٍ أنيق، لا يعلمن أن وجوههن تُستخدم للترويج لروايات تخدم مصالح دولية، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.
التحقيق الذي أجرته وحدة متابعة المعلومات المضللة في الخدمة العالمية لـ”بي بي سي” وفريق “بي بي سي عربي”، كشف أكثر من مئة حساب على منصات مثل “إكس” و”فيسبوك” و”تيك توك” تنتحل شخصيات مؤثرات صوماليات، وتبث رسائل سياسية متقنة بلغة عربية فصحى وصورٍ مصممة بعناية، لتبدو وكأنها أصوات نساء حقيقيات يدعمن مواقف سياسية بعينها.

الخدعة: صور مسروقة ودعاية إماراتية ناعمة
التحقيق بيّن أن هذه الحسابات تستخدم صور مؤثرات حقيقيات دون علمهن، بما في ذلك فائزة سابقة في مسابقة ملكة جمال، وناشطات في مجالات الموضة والجمال. إحدى النساء قالت إنها فوجئت حين علمت أن صورتها تُستخدم في حسابٍ يروّج للحكومة الصومالية والجيش الصومالي، بينما أخرى أكدت أن ابنتها لا تملك أي حساب على منصة “إكس” رغم انتشار صورها هناك.
المحتوى المنشور عبر هذه الحسابات لم يقتصر على الترويج للحكومة الصومالية فحسب، بل امتد إلى دعم قوات “الدعم السريع” في السودان، في الوقت الذي تتهم فيه الخرطوم أبوظبي بتمويل وتسليح تلك القوات، وهي اتهامات تنفيها الإمارات رسميًا.
ويعتقد محللون أن الهدف من الحملة هو تشكيل رأي عام مؤيد للنفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي، خصوصًا في ظل تنافسها مع قوى إقليمية أخرى على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن.
الخلفية: سياسة النفوذ الإماراتي في شرق أفريقيا
تسعى الإمارات منذ سنوات لترسيخ وجودها في منطقة شرق أفريقيا عبر مشاريع البنية التحتية والموانئ، والتعاون الأمني في مواجهة الجماعات المسلحة. ويأتي ذلك في سياق استراتيجي يربط بين نفوذها البحري في البحر الأحمر واستثماراتها في موانئ الصومال وأرض الصومال.
هذه الاستثمارات تُقدَّم في الإعلام الإماراتي كـ”مساعدات إنسانية” أو “مشاريع تنموية”، لكن خلفها بعدٌ سياسي واضح، يتمثل في تعزيز النفوذ الاقتصادي والعسكري في منطقة حساسة جيوسياسيًا.
ولذلك، يرى مراقبون أن استخدام الصور النسائية الصومالية يدخل ضمن حملة علاقات عامة رقمية تهدف لتلميع صورة الإمارات بين المجتمعات المحلية، وتقديمها كـ”راعٍ للتنمية” و”قوة استقرار”، في وقتٍ تتزايد فيه الانتقادات لدورها في صراعات المنطقة، بما في ذلك الحرب في السودان واليمن وليبيا.
التحقيق التقني: الذكاء الاصطناعي والدعاية المتخفية
باستخدام تقنيات البحث العكسي عن الصور، تمكنت “بي بي سي” من تحديد الهويات الحقيقية لبعض النساء اللواتي استُغلت صورهن، وتبيّن أن الصور مأخوذة من حسابات حقيقية لمؤثرات على إنستغرام وتيك توك، أو حتى من مسابقات ملكات جمال.
الأمر الأخطر أن بعض الصور تم تعديلها ببرامج الذكاء الاصطناعي لتبدو “جديدة” أو “مختلفة” قليلًا، ما يصعّب على النساء التعرف عليها فورًا. كما لاحظ الخبراء أن المحتوى يستخدم مزيجًا من اللغات — الصومالية، الإنجليزية، والعربية الفصحى — ما يمنحه مصداقية لدى جماهير مختلفة ويزيد من قدرته على الانتشار.
الخبير في التضليل الإعلامي مارك أوين جونز من جامعة نورث وسترن في قطر، أكد أن هذه الحسابات هي “دُمى إلكترونية” — شخصيات مزيفة تُستخدم لترويج سياسات محددة — وأنها جزء من شبكة إقليمية تعمل بأسلوب موحد في دول متعددة، بينها الصومال والسودان والجزائر والمغرب وموريتانيا.
وأضاف جونز أن هذا النمط يتكرر: نساء شابات يظهرن بدعمٍ لبلادهن، لكن رسائلهن تتماهى مع مصالح السياسة الخارجية الإماراتية في المنطقة.
من السودان إلى الصومال: توجيه السردية
التحقيق أشار إلى تحول مفاجئ في خطاب هذه الحسابات، إذ انتقلت من نشر محتوى وطني صومالي إلى الحديث عن الحرب في السودان. في أغسطس/آب الماضي مثلاً، تداولت عشرات الحسابات منشورات تزعم ارتكاب الجيش السوداني “مجزرة في الأبيض”، دون أي مصدر موثوق أو دليل.
وبعد التحقق، لم تجد المنظمات المستقلة مثل “بيم ريبورتس” أي أثر حقيقي لتلك الحادثة، مما يؤكد أن الهدف لم يكن نشر الحقيقة بل خلق توازن سردي مقابل روايات سودانية تتهم الإمارات بالضلوع في الحرب.
بهذا الشكل، تتحول الحسابات المزيفة إلى أدوات حرب ناعمة، تبثّ معلومات موجهة لتشويش الرأي العام وإعادة صياغة الصورة الذهنية لأطراف الصراع.
الصمت الرسمي وشركات العلاقات العامة
حتى الآن، لم تصدر حكومتا الإمارات أو الصومال أي تعليق على نتائج التحقيق. ويرى المحللون أن غياب الرد ليس مفاجئًا، لأن عمليات التأثير الرقمية غالبًا ما تُدار عبر شركات علاقات عامة دولية، تُستخدم كواجهة لتجنّب المساءلة القانونية والسياسية.
الخبير أليساندرو أكورسي أوضح أن “شبكات النفوذ الموالية لأبوظبي تعتمد على شركات علاقات عامة تعمل بالنيابة عنها، مما يجعل من المستحيل تقريبًا تتبّع مصدر الحملة بدقة”.
ورغم أن منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك أكدت حذف بعض الحسابات لانتهاكها السياسات، فإن المسألة تظل أعقد من مجرد إغلاق حسابات — فهي شبكة متجددة تتغذى على الذكاء الاصطناعي والمحتوى المصوّر والعواطف الدينية والوطنية.
خاتمة: حروب جديدة بوجوه النساء
القصة لا تتعلق فقط بسرقة صور نساء صوماليات، بل بتطور نوع جديد من الحروب الإعلامية التي تستخدم الوجوه الأنثوية لتجميل نفوذ سياسي خفي.
هذه الحملات، التي تبدو إنسانية ووطنية على السطح، تُخفي وراءها شبكات نفوذ تسعى لشرعنة سياسات تدخل في شؤون الدول الإفريقية، وبالأخص في الصومال والسودان.
في زمنٍ تتحول فيه الصورة إلى أداة دبلوماسية، تبدو الإمارات قد وجدت طريقها الجديد نحو العقول والقلوب — لا عبر القوة العسكرية فقط، بل عبر “ابتسامة مسروقة” لامرأة لا تعرف أنها باتت أداة في حرب ناعمة تُدار من وراء الشاشات.
اقرأ أيضًا : عنف المستوطنين في الضفة.. موسم الزيتون يتحول إلى موسم رعب