أجرى موقع “إنتيريس” الإيطالي حوارًا مطولًا مع كيارا زاكوني، رئيسة بعثة منظمة كوبي للتعاون الدولي في السودان، سلط الضوء على الأبعاد المأساوية للحرب الأهلية التي تمزق البلاد منذ أبريل/نيسان 2023، مشيرًا إلى أن السودان يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر.
زاكوني أوضحت أن الصراع الذي اندلع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حوّل البلاد إلى منطقة منكوبة بالكامل، حيث تجاوز عدد النازحين 14 مليون شخص، منهم 10 ملايين داخل البلاد و4 ملايين عبروا الحدود إلى دول الجوار مثل تشاد ومصر وجنوب السودان.
وأضافت أن أكثر من 24 مليون سوداني يواجهون خطر الجوع الحاد وانعدام الأمن الغذائي، مشيرةً إلى أن النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا من هذا الوضع الكارثي، إذ يفتقرون إلى الغذاء والرعاية الصحية الأساسية ويقعون ضحية للأمراض والأوبئة المنتشرة بسبب غياب المياه النظيفة وانهيار المنظومة الصحية.

دارفور والفاشر.. المأساة في ذروتها
بحسب زاكوني، فإن الأوضاع الإنسانية في إقليم دارفور – ولا سيما في مدينة الفاشر المحاصرة – ازدادت سوءًا خلال الأشهر الأخيرة، حيث فرضت قوات الدعم السريع حصارًا خانقًا منذ أبريل/نيسان 2025 على المدينة التي تُعد آخر ملاذ لآلاف النازحين.
وقالت إن المدنيين العالقين هناك يعيشون في ظروف “كارثية”، إذ انقطعت طرق الإمداد والمساعدات الإنسانية تمامًا، بينما أصبحت محاولات الهروب من المدينة شبه مستحيلة بسبب انعدام الأمن وقطع الطرق من قبل الميليشيات المسلحة.
ووصفت زاكوني الوضع في الفاشر بأنه “كارثة إنسانية مكتملة الأركان”، مشيرة إلى أن نحو 200 ألف شخص ما زالوا داخل المدينة، فيما قُتل العشرات خلال الأسابيع الأخيرة جراء القصف المتكرر بطائرات مسيّرة استهدفت أحياء سكنية ومراكز طبية.
وفي هذا السياق، كشفت زاكوني أن إحدى العيادات التي تدعمها منظمة كوبي تعرضت لهجوم بطائرات مسيرة أسفر عن مقتل نحو 20 مدنيًا، في مشهد قالت إنه يعكس مدى خطورة الأوضاع الميدانية، مؤكدة رغم ذلك أن المنظمة “تواصل العمل بإصرار وشجاعة”، لتقديم ما يمكن من دعم للمدنيين العالقين.
منظمة كوبي.. آخر من تبقّى في الميدان
تُعد منظمة كوبي للتعاون الدولي من أقدم المنظمات الإنسانية العاملة في السودان منذ عام 2004، وقد قررت البقاء في البلاد بعد اندلاع الحرب، لتكثّف جهودها في مجالات المياه والصرف الصحي وحماية الأطفال ودعم النساء ضحايا العنف.
زاكوني أكدت أن المنظمة تقدّم المياه الصالحة للشرب في 18 مخيمًا للنازحين وتدعم ثلاثة مستشفيات رئيسية وعددًا من المراكز الصحية في دارفور والخرطوم. وأضافت أن فرق المنظمة تعمل في ظروف “بالغة القسوة”، حيث تنقطع الاتصالات باستمرار وتتعرض القوافل الإنسانية لهجمات وعمليات نهب من جماعات مسلحة.
ورغم ذلك، شددت على أن المنظمة لن تغادر السودان، معتبرة أن “التخلي عن المدنيين في هذه المرحلة يعني تركهم للموت جوعًا ومرضًا تحت الحصار”.
أصابع الاتهام نحو الإمارات
الموقع الإيطالي لفت إلى أن الأزمة السودانية لا يمكن فصلها عن التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة التي تواجه اتهامات دولية متصاعدة بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
ونقل التقرير عن محللين أن أبو ظبي تُعد “الجهة الأكثر تأثيرًا” في مسار الحرب، إذ تُتهم بإرسال شحنات أسلحة عبر تشاد وليبيا لدعم قوات حميدتي، في محاولة لتثبيت نفوذها في إقليم دارفور الغني بالذهب والمعادن النادرة.
وأشار التقرير إلى أن هذا التورط الإماراتي أسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد جهود الوساطة، لافتًا إلى أن عدة تقارير من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وثقت مسارات الإمداد العسكري والدعم اللوجستي الذي مكّن قوات الدعم السريع من السيطرة على مناطق واسعة، بينها أجزاء من الخرطوم ودارفور.
كما حذر التقرير من أن استمرار الدعم الخارجي للميليشيات سيؤدي إلى تدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية، ويزيد من موجات النزوح، ويعمّق الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين.
نداء عاجل للمجتمع الدولي
في ختام حديثها، دعت زاكوني المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف الحرب وإنهاء معاناة المدنيين، مؤكدة أن السودان يحتاج قبل أي شيء إلى وقف شامل لإطلاق النار ورفع الحصار عن المدن.
وطالبت بفتح ممرات إنسانية آمنة تتيح وصول المساعدات إلى جميع المناطق، خصوصًا دارفور وولاية الخرطوم، وبتحرك دولي أكثر جدية تجاه الأطراف التي تموّل أو تسلّح الميليشيات.
وقالت إن استمرار الصمت الدولي يعني “القبول بموت الملايين ببطء”، داعية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ممارسة ضغط فعلي على الأطراف الإقليمية المتورطة في تأجيج الصراع، في إشارة ضمنية إلى الدور الإماراتي المشبوه.
وختمت زاكوني تصريحها برسالة إنسانية مؤثرة:
“الشعب السوداني لا يحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى فعل حقيقي يعيد له حقه في الحياة والكرامة.”
بهذا، رسم موقع إنتيريس الإيطالي صورة قاتمة عن مستقبل السودان الغارق في العنف والنزوح، في ظل تواطؤ إقليمي وصمت دولي مخجل، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر من حياتهم وأحلامهم.
اقرأ أيضا : “العدل الدولية” تصدر حكمها في قانونية الحصار.. الاحتلال أمام اختبار العدالة الدولية