في مشهد يختصر تحوّل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت وزارة الداخلية السورية اليوم الأربعاء إلقاء القبض على اللواء أكرم سلوم العبد الله، أحد أبرز ضباط النظام السابق المتورطين في جرائم ضد المعتقلين داخل سجن صيدنايا العسكري، الذي لطالما وُصف بأنه “مسلخ بشري”.

وجاء في بيان الوزارة أن عملية أمنية “محكمة ودقيقة” نفذها فرع مكافحة الإرهاب في دمشق، أسفرت عن اعتقال العبد الله، الذي شغل منصب قائد الشرطة العسكرية بين عامي 2014 و2015، وهي الفترة التي شهدت أفظع الانتهاكات ضد المعتقلين في سجون النظام البائد.

تلك العملية جاءت لتؤكد أن سوريا ما بعد الأسد بدأت تسير بخطوات عملية نحو محاسبة رموز النظام الذين تلطخت أيديهم بدماء السوريين، في ظل قيادة الرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي وعد منذ تسلمه السلطة بإرساء العدالة الانتقالية، واستعادة كرامة الضحايا، وإعادة بناء دولة مؤسسات تحترم الإنسان وحقوقه.

سجن صيدنايا.. “مسلخ الأسد” يكشف أسراره

سجن صيدنايا لم يكن مجرد معتقل سياسي، بل تحوّل لعقود إلى رمز للرعب والتصفية داخل منظومة النظام الأمني. التقارير الحقوقية، من بينها تقرير منظمة العفو الدولية الشهير عام 2017 بعنوان “المسلخ البشري”، وثّقت إعدام أكثر من 13 ألف معتقل شنقًا في السجن ما بين 2011 و2015، في عمليات تمت بسرية تامة تحت إشراف مباشر من قيادات عسكرية أبرزها اللواء أكرم سلوم العبد الله.

وخلال تلك السنوات، كان السجن يخضع لإدارة الشرطة العسكرية التي تولى العبد الله قيادتها، وتؤكد شهادات ناجين أن الرجل أشرف بنفسه على جلسات الإعدام، ووقّع على قرارات تصفية مئات السجناء شهريًا بتهم “الإرهاب” و”الخيانة”.

ووفق مصادر حقوقية، فإن ضباطًا من الفرع 215 وفرع المخابرات الجوية كانوا ينسقون معه لنقل المعتقلين من فروع التحقيق إلى “صيدنايا” ليختفوا هناك إلى الأبد.

اليوم، وبعد أكثر من عقد من الرعب، يمثل هذا اللواء أمام القضاء بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في خطوة وُصفت بأنها “بداية المسار العدلي الحقيقي” لاستعادة حقوق الضحايا وفتح ملفات المفقودين والمقابر الجماعية المنتشرة حول السجن.

رمزية الاعتقال ومغزى المرحلة الجديدة

اعتقال العبد الله لا يمثل مجرد حدث أمني، بل يحمل أبعادًا سياسية وتاريخية. فالرجل كان من الحلقة الأمنية الضيقة للنظام المخلوع، وارتبط اسمه بالعديد من الملفات السوداء، بينها تصفية المعتقلين في صيدنايا، وعمليات إخفاء قسري طالت آلاف المدنيين خلال الحرب.

ويرى محللون أن هذه الخطوة تمثل رسالة واضحة من الحكومة الجديدة بأن “عهد الإفلات من العقاب قد انتهى”، وأن العدالة الانتقالية لن تستثني أحدًا مهما علت رتبته.

منذ سقوط النظام في ديسمبر الماضي، باشرت السلطات حملة واسعة لاعتقال عشرات الضباط والمسؤولين السابقين. ومن أبرزهم نمير الأسد، ابن عم الرئيس المخلوع، الذي أوقف قبل أسبوع في مدينة القرداحة بتهم تتعلق بالفساد وتجارة المخدرات، وهي ملفات لطالما اعتُبرت أحد أوجه انهيار النظام السابق أخلاقيًا واقتصاديًا.

في المقابل، يرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام الحكومة الحالية هو كيفية إدارة هذا الكم الهائل من الملفات الجنائية والحقوقية، في ظل الحاجة إلى تحقيق العدالة دون الانزلاق نحو الانتقام أو الفوضى. فالمجتمع السوري الذي أنهكته سنوات الحرب يتطلع إلى العدالة والإنصاف، لا إلى موجات جديدة من الثأر.

سوريا الجديدة.. من الخوف إلى الدولة

منذ أن أعلن الرئيس أحمد الشرع تشكيل حكومته الانتقالية، بدت ملامح سوريا مختلفة: عودة المهجرين، فتح الطرق الدولية، إعادة العمل بالمؤسسات، وبدء مشاريع إعادة الإعمار بمشاركة عربية ودولية.

لكن أهم تحول شهدته البلاد هو عودة الثقة بين الدولة والمواطن، بعد سنوات من القهر الأمني، حيث أصبحت الأجهزة الأمنية أداة لحماية الشعب لا لقمعه.

ويرى مراقبون أن خطوة اعتقال اللواء العبد الله تمثل تتويجًا لنهج الإصلاح الجديد، ورسالة إلى المجتمع الدولي بأن دمشق الجديدة جادة في تطبيق العدالة الانتقالية.

فبعد سنوات من تقارير المنظمات الحقوقية التي اتهمت النظام السابق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بدأت سوريا تسعى لاستعادة مكانتها عبر الاعتراف بالماضي ومحاسبة الجناة.

وفي هذا السياق، قال وزير الداخلية السوري في مؤتمر صحفي مساء اليوم إن “العدالة لا تسقط بالتقادم، وكل من أجرم بحق السوريين سيُحاكم وفق القانون مهما طال الزمن”، مؤكدا أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع منظمات دولية لتوثيق الانتهاكات وإعداد ملفات قضائية شاملة.

خاتمة: سقوط الجدار الحديدي لصيدنايا

اعتقال أكرم سلوم العبد الله يشكّل لحظة فارقة في التاريخ السوري الحديث. فالرجل الذي كان يُعتبر أحد أعمدة آلة القمع، أصبح اليوم رمزًا لسقوط الجدار الحديدي الذي بناه نظام الأسد حول جرائمه.

وبينما يترقب السوريون خطوات مماثلة تطال بقية رموز النظام، تبدو سوريا وقد بدأت رحلة طويلة من الألم نحو التعافي، ومن الخوف نحو العدالة.

لقد عادت سوريا إلى أهلها، دولة يحكمها القانون لا القبضة الأمنية، وشعب يكتب فصلاً جديدًا من تاريخه بعد عقود من الصمت والظلام.

اقرأ أيضًا : مفاجأة.. الإمارات استأجرت بلير لينقذ السيسي عبر العمل كمستشار له