في تأكيد جديد على تعنت الحكومة الإسرائيلية وتمسكها بخيار السيطرة العسكرية، أعلنت متحدثة باسم حكومة الاحتلال، الأحد، أن إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على قطاع غزة، مشددة على أن هذا المبدأ “غير قابل للنقاش” ضمن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لما بعد الحرب.

سيطرة لا تعترف بالسيادة الفلسطينية

جاء هذا الإعلان بعد ساعات من موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على دخول فريق فني مصري إلى القطاع، بالتعاون مع الصليب الأحمر، للبحث عن جثث الأسرى الإسرائيليين، في خطوة اعتُبرت إنسانية من حيث الشكل، لكنها لم تغيّر من جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه غزة.

وأكدت المتحدثة باسم الحكومة أن “السماح بدخول الفريق المصري لا يعني أي تغيير في موقف إسرائيل، التي ستبقى صاحبة القرار الأمني الأول والأخير في قطاع غزة”، في إشارة إلى رفض تل أبيب تسليم أي صلاحيات أمنية سواء لقوات دولية أو لسلطة فلسطينية.

هذا الموقف يعكس رؤية إسرائيلية متجذرة تعتبر أن أمنها القومي يقتضي فرض وصاية عسكرية كاملة على القطاع، بما يشمل الحدود والمعابر والأجواء والمياه الإقليمية، وهو ما يعني في الواقع استمرار الاحتلال تحت مسمى “إدارة أمنية” بدلاً من السيطرة المباشرة.

تعنت نتنياهو ومخاوف من القوة الدولية

وفي موازاة ذلك، أعلن نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب في غزة- أن إسرائيل هي من ستحدد هوية الدول التي ستُسمح لها بالمشاركة في القوة الدولية المقترح إرسالها إلى القطاع، مؤكداً أن “الجيش الإسرائيلي سيحتفظ بحرية التحرك الكامل في غزة حتى إشعار آخر”.

وقال خلال جلسة مجلس الوزراء: “نحن نتحكم في أمننا، وأوضحنا للقوى الدولية أن إسرائيل ستحدد القوات غير المقبولة بالنسبة لنا، وهذه هي الطريقة التي نتصرف بها وسنستمر في التصرف بها”.

هذا الخطاب يعيد التأكيد على نهج نتنياهو في رفض أي دور دولي مستقل داخل غزة، ويكشف مخاوف تل أبيب من أن تتحول القوة الدولية إلى سلطة رقابية على الجيش الإسرائيلي، أو إلى نواة لإدارة مدنية قد تنتزع من إسرائيل أوراق السيطرة التي تملكها منذ 2007.

الولايات المتحدة تنحاز للرؤية الإسرائيلية

من جانبها، تبنت الإدارة الأميركية خطاباً قريباً من الموقف الإسرائيلي، إذ صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال زيارته لتل أبيب يوم الجمعة أن “القوة الدولية يجب أن تتألف من دول ترحب بها إسرائيل”.

وأوضح روبيو أن بلاده لا تفكر في إرسال جنود أميركيين إلى غزة، لكنها تدرس الاعتماد على قوات من مصر وإندونيسيا وبعض دول الخليج، على أن يتم التنسيق الأمني الكامل مع الجيش الإسرائيلي.

ويشير مراقبون إلى أن هذه المقاربة الأميركية تمنح إسرائيل حق النقض المسبق على أي طرف مشارك في القوة الدولية، ما يجعل “المرحلة الثانية” من خطة ترامب مجرد غطاء سياسي لاستمرار السيطرة الإسرائيلية، وليس بداية لإنهاء الاحتلال أو تمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم.

خطة ترامب والجدل حول “ما بعد الحرب”

تُعدّ هذه التطورات جزءاً من تنفيذ المرحلة الثانية لخطة “سلام ترامب”، التي تهدف إلى إنهاء الحرب في غزة عبر وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، تليها مرحلة إعادة الإعمار ونشر قوة دولية للإشراف على الأمن وإدارة القطاع مؤقتاً.

لكن ما يُثير الجدل هو أن إسرائيل ترفض عملياً تنفيذ أي بند يمنح الفلسطينيين أو الأطراف العربية أي سيادة فعلية، وهو ما يفرغ الخطة الأميركية من مضمونها.

ويرى محللون أن تعنت نتنياهو يهدف إلى كسب الوقت داخلياً، إذ يستخدم ورقة “الأمن في غزة” لاستعادة شعبيته المتآكلة بسبب الفشل العسكري والسياسي، فيما يسعى لتجنب أي ترتيبات قد تمنحه المحكمة الجنائية الدولية ذريعة إضافية لتصعيد ملاحقته.

الانعكاسات الإقليمية والسياسية

هذا الموقف الإسرائيلي يضع مصر في موقع حساس، فهي من جهة تحاول الحفاظ على دورها المركزي في إدارة مرحلة ما بعد الحرب وإدخال المساعدات والفرق الفنية، ومن جهة أخرى تواجه عراقيل إسرائيلية تحد من قدرتها على التحرك الميداني داخل القطاع.

كما أن دولاً مثل الأردن وقطر وتركيا تتابع بقلق مؤشرات العودة إلى “الاحتلال غير المباشر”، الذي قد ينسف أي آمال في إعادة الإعمار أو استقرار الوضع الإنساني.

وفي السياق نفسه، تُبدي أطراف أوروبية استياءً من استمرار إسرائيل في التصرف منفردة، حيث حذرت تقارير أممية من أن استمرار الحصار والسيطرة العسكرية سيجعل القطاع “منطقة غير قابلة للحياة” خلال أشهر.

حادث عسكري يعكس التوتر الميداني

وفي موازاة المشهد السياسي، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة 12 جندياً في حادث طرق عملياتي على الحدود مع قطاع غزة، اثنان منهم بجروح متوسطة والباقون إصابات طفيفة.

ورغم الطابع غير القتالي للحادث، فإنه يعكس حالة الاستنفار القصوى التي يعيشها الجيش الإسرائيلي على تخوم القطاع في ظل استمرار الغارات والاشتباكات المتقطعة.

خلاصة

يؤكد تعنت نتنياهو وإصرار حكومته على الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على غزة أن إسرائيل لا تنوي إنهاء الاحتلال، بل إعادة صياغته بمسميات جديدة تتوافق مع حساباتها الأمنية والسياسية.

فما تسميه “ضمانات أمنية” ليس سوى استمرار للهيمنة العسكرية التي قادت إلى دمار شامل ومعاناة إنسانية غير مسبوقة.

وفي ظل هذا الموقف المتشدد، تبدو فرص نجاح أي خطة دولية لإعادة إعمار غزة أو إرساء سلام دائم محدودة، ما دامت إسرائيل ترى في القطاع ساحة للسيطرة لا شريكاً للسلام.

اقرأ أيضًا : خيانة عباس تغطي على دماء المزارعين.. مستوطنون يهاجمون قاطفي الزيتون ومنازل الفلسطينيين بالضفة