في أحدث إدانة دولية تكشف حجم الفظائع المرتكبة في السودان، أصدر معهد البحوث الإنسانية بكلية الصحة العامة في جامعة ييل الأميركية تقريرًا صادمًا يوثق عمليات قتل جماعي نفذتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بين 26 و28 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. التقرير، الذي استند إلى صور أقمار صناعية وتحليل ميداني دقيق، أكد أن المشاهد الملتقطة تظهر بوضوح مقابر جماعية ومواقع إعدام ميدانية في عدد من المناطق، وسط اتهامات متصاعدة لدولة الإمارات بأنها الجهة التي وفّرت السلاح والتمويل لهذه القوات المتهمة بارتكاب إبادة جماعية.

مشاهد مرعبة من السماء

بحسب التقرير، فإن الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية كشفت تفاصيل دقيقة عن عمليات قتل جماعي داخل مواقع طبية وإنسانية، من بينها الساتر الترابي، المستشفى السعودي، مستشفى الأطفال السابق، ومكتب الهلال الأحمر السوداني، وجميعها كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع خلال الأيام التي سبقت المجزرة.

وأظهرت الصور الملتقطة في 27 أكتوبر ظهور خطوط داكنة طويلة تمتد من أحد مباني مستشفى الأطفال السابق حتى بوابة المجمع الواقع شرق الفاشر، وهي خطوط لم تكن موجودة في اليوم السابق، ما يشير — وفق المحللين — إلى تكوّن أجسام بشرية ملقاة حديثًا. وفي اليوم التالي، 28 أكتوبر، ظهرت في الصور أكوام من الأجسام بالقرب من البوابة، وبعضها فاتح اللون، في مشهد يتسق تمامًا مع وجود جثث مدنيين تم إعدامهم جماعيًا في المكان.

التقرير أشار أيضًا إلى أن صورًا أخرى أظهرت تغير لون التربة المحيطة بخمس مجموعات من أصل ست مجموعات أجساد، وهو ما يدل على تعفن الجثث أو محاولة دفنها مؤقتًا. وقد رُصدت هذه المشاهد في مواقع كانت محاطة بعربات الدعم السريع، ما يعزز فرضية أن القتل تم بشكل منظم وتحت إشراف مباشر من عناصر الميليشيا.

شهادات تؤكد الجريمة

لم تقتصر الأدلة على الصور، بل دعم التقرير شهاداته بتحقيقات ميدانية وشهادات من تنسيقية رجال المقاومة في الفاشر، التي أكدت وقوع مجازر داخل المستشفى السعودي، ووجود أكوام من الجثث البيضاء داخل أروقة المستشفى.

وحسب التحليل الفني للصور، تراوحت أطوال الأجسام بين متر و10 سنتيمترات ومتر و90 سنتيمترا، وهي أبعاد تتطابق مع أحجام أجساد بشرية. بل إن بعض الأجسام ظهرت بشكل يشبه حرفي C وJ بالإنجليزية، أي في وضعيات منكمشة على الأرض، كما لو أن الضحايا أُعدموا رمياً بالرصاص أو تعرضوا للتعذيب قبل القتل.

ويشير التقرير إلى أن هذه الصور تتسق مع روايات المدنيين الناجين الذين تحدثوا عن قيام الدعم السريع بتجميع الفارين من المدينة في ساحات قريبة من المستشفى، ثم إطلاق النار عليهم بشكل جماعي.

الإمارات في دائرة الاتهام

ورغم أن التقرير الأميركي لم يشر مباشرة إلى الدول الداعمة، إلا أن مصادر استخباراتية غربية كانت قد أكدت خلال الأشهر الماضية أن الإمارات العربية المتحدة لعبت دورًا محوريًا في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع. فقد كشفت تقارير من وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية (DIA) ووزارة الخارجية الأميركية أن أبوظبي أرسلت إمدادات عسكرية متزايدة، تشمل طائرات مسيرة صينية الصنع وأسلحة ثقيلة وخفيفة، إلى ميليشيا الدعم السريع منذ الربيع الماضي.

وتزامن الكشف الجديد من جامعة ييل مع تصاعد الغضب الدولي من استمرار الدور الإماراتي في دعم الصراع الدامي في السودان، رغم التحذيرات الأممية من أن الحرب تقترب من مرحلة الإبادة الجماعية الواسعة في دارفور.

وبينما تواصل الإمارات نفيها لأي تورط، يرى مراقبون أن الصور الموثقة لمجازر الفاشر تضع أبوظبي في موقف حرج أمام المجتمع الدولي، خاصة أن الأسلحة التي تُستخدم في عمليات الإعدام الجماعي تعود في جزء منها إلى شحنات إماراتية موثقة بالأرقام والمواصفات، وفق تقارير الأمم المتحدة الأخيرة.

صمت دولي ومأساة إنسانية

تقرير جامعة ييل جاء ليضيف حلقة جديدة في سلسلة التوثيقات الدولية التي تكشف اتساع رقعة الجرائم ضد المدنيين في دارفور. فمدينة الفاشر، التي كانت حتى وقت قريب آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في الإقليم، تحولت خلال أيام إلى مدينة أشباح بعدما سيطرت عليها قوات الدعم السريع، التي ارتكبت – بحسب الأمم المتحدة – انتهاكات واسعة النطاق شملت القتل العمد والاغتصاب الجماعي والتطهير العرقي.

ومع أن المجتمع الدولي اكتفى حتى الآن ببيانات قلق متكررة، إلا أن الحقائق الميدانية التي عرضها التقرير الأميركي تعيد طرح سؤال جوهري: إلى متى سيظل العالم صامتًا أمام مجازر تُرتكب على مرأى من الأقمار الصناعية نفسها التي توثقها؟

نحو محاسبة دولية؟

يرى محللون أن تقرير جامعة ييل قد يشكل وثيقة أساسية تُستخدم في أي تحقيقات مستقبلية أمام المحكمة الجنائية الدولية، خاصة أنه يعتمد على تحليل علمي موضوعي للأقمار الصناعية، وهي أدلة يصعب دحضها. كما يُتوقع أن يزيد الضغط على واشنطن للتحرك ضد شركائها الإقليميين الذين يسهّلون جرائم الحرب في السودان.

في المقابل، يستبعد مراقبون أن تتحرك الإدارة الأميركية بسرعة، نظرًا للعلاقات الاستراتيجية المعقدة مع الإمارات، والتي تشمل ملفات الطاقة والتطبيع العربي الإسرائيلي وممرات البحر الأحمر. لكنهم يؤكدون أن استمرار توثيق هذه الجرائم سيجعل من الصعب على واشنطن وأبوظبي التنصل من مسؤولياتهما الأخلاقية والقانونية.

خاتمة

تقرير جامعة ييل لا يكتفي بتوثيق مشاهد القتل الجماعي في الفاشر، بل يفضح منظومة كاملة من الصمت والتواطؤ الإقليمي والدولي. فبينما تتراكم الجثث في المستشفيات والشوارع، تواصل الميليشيات المدعومة من الخارج ارتكاب الفظائع ذاتها. أما الصور القادمة من الفضاء، فهي شاهد لا يمكن طمسه على جريمة لم تعد خفية — جريمة قد تعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الإبادة في تاريخ دارفور، وتضع الإمارات والدعم السريع في قلب الاتهام بارتكاب واحدة من أبشع الجرائم في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيّد يتسع: تعليق نشاط منظمة حقوقية ثانية في تونس