في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة تحت وطأة الجوع والبرد وانعدام الخدمات الأساسية، كشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن فضيحة جديدة تُظهر الوجه الحقيقي لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، إذ اتهمت 40 منظمة إنسانية دولية إسرائيل بعرقلة إدخال المساعدات إلى القطاع المنكوب عبر فرض نظام تسجيل جديد للمنظمات غير الحكومية.

هذا النظام، الذي جاء في مارس/آذار الماضي، أدى عملياً إلى شل حركة الإغاثة ومنع دخول عشرات ملايين الدولارات من المساعدات الإنسانية، ما يفاقم الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها سكان القطاع بعد عام كامل من الحرب الإسرائيلية.

المنظمات الدولية: الاحتلال يمنع المساعدات بحجج واهية

تقول الصحيفة إن المنظمات الأربعين، وبينها “أطباء بلا حدود” و”أوكسفام” و”المجلس النرويجي للاجئين”، وجهت اتهامات صريحة لإسرائيل برفضها 99 طلباً لإدخال مساعدات خلال أول 12 يوماً فقط من وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن الاحتلال رفض تقريباً كل طلبات المجلس النرويجي للاجئين. وتذرعت السلطات الإسرائيلية بأن ثلاث أرباع حالات الرفض جاءت بحجة أن المنظمات “غير مخولة” بتقديم المساعدات — وهي ذريعة وُصفت بأنها وسيلة بيروقراطية لخنق أي جهد إغاثي.

وفي تصريح للصحيفة، قال مدير المجلس النرويجي للاجئين إن المنظمة باتت في “طريق مسدود”، موضحاً أن سلطات الاحتلال تردّ على أي طلب لإدخال المواد الإنسانية بعبارة أن “التسجيل قيد المراجعة”، ما يعني عملياً منع دخول أي شيء. وأضاف أن هذه الإجراءات التعجيزية تهدف إلى تفريغ الدور الإنساني من مضمونه وتحويله إلى أداة تخضع لرقابة الاحتلال ومصالحه السياسية.

قواعد جديدة لتجويع الفلسطينيين

تعود جذور الأزمة، بحسب التقرير، إلى القواعد التي فرضتها إسرائيل في مارس/آذار الماضي، والتي تُلزم جميع المنظمات الإنسانية العاملة في الأراضي الفلسطينية بإعادة تسجيلها لدى سلطات الاحتلال قبل نهاية العام، وإلا فسيتم سحب تراخيصها بالكامل. وبهذه الخطوة، وضعت إسرائيل المنظمات بين خيارين: إما الخضوع لشروطها السياسية والأمنية، أو فقدان القدرة على العمل في غزة والضفة الغربية. ويرى مراقبون أن هذا الإجراء يمثل شكلاً من أشكال “الابتزاز السياسي”، هدفه إحكام السيطرة على مسار المساعدات وتوجيهها بما يخدم مخططات الاحتلال في إعادة تشكيل القطاع بعد الحرب.

أونروا: مليون إنسان ينتظرون الإيواء والشتاء يقترب

في هذا السياق، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إن لوازم الإيواء الشتوية التي تكفي لمليون إنسان ما زالت مكدسة في المستودعات خارج القطاع بانتظار تصريح إسرائيلي لدخولها. وتحدثت الوكالة عن ظروف إنسانية “كارثية”، حيث يعيش مئات الآلاف في خيام ممزقة وسط البرد القارس والأمطار، في وقت تمنع فيه إسرائيل دخول مواد البناء والوقود والبطانيات وحتى المواد الغذائية الأساسية.

من جانبه، قال علاء الدين البطة، رئيس بلدية خان يونس ونائب رئيس اتحاد بلديات غزة، إن “الآلاف من النازحين يعيشون في خيام مهترئة لا تقيهم برد الشتاء ولا حرارة الصيف”، مؤكداً أن الأرقام الرسمية تشير إلى أن 93% من الخيام لم تعد صالحة للسكن. وأضاف أن “أكثر من 900 ألف إنسان يتكدسون في محافظة خان يونس وحدها، بينهم عشرات آلاف الهاربين من رفح بعد موجات النزوح القسري”.

الاحتلال يعاقب الناجين ويمنع إعادة الإعمار

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بين حركة حماس وإسرائيل نصّ على إدخال مساعدات إنسانية يومية إلى القطاع، فإن الاحتلال لم يسمح إلا بدخول أعداد محدودة من الشاحنات لا تتجاوز عشر ما يحتاجه القطاع يومياً. فبدلاً من 600 شاحنة يومياً لتغطية الاحتياجات الأساسية، لا تدخل سوى عشرات، وغالباً بعد عمليات تفتيش طويلة وتعطيل متعمد على المعابر.

ويرى محللون أن هذا السلوك يعكس سياسة إسرائيلية متعمدة لإبقاء غزة في حالة “اختناق إنساني”، بهدف الضغط على المجتمع الدولي والفصائل الفلسطينية للقبول بالشروط السياسية التي تسعى تل أبيب لفرضها. فبعد حرب إبادة استمرت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأسفرت عن مقتل أكثر من 68 ألفاً و643 شهيداً وجرح 170 ألفاً و655 — معظمهم من النساء والأطفال — تواصل إسرائيل سياسة العقاب الجماعي من خلال الحصار والحرمان الممنهج من المساعدات.

خاتمة: المساعدات رهينة الاحتلال وصمت العالم

ما يجري اليوم لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة إنسانية جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي الأسود، إذ تحوّلت المساعدات الإنسانية — التي يفترض أن تكون محايدة — إلى ورقة ابتزاز سياسي. فبينما تتحدث إسرائيل عن “إجراءات تنظيمية”، تموت العائلات في المخيمات من البرد والجوع، وتتحول غزة إلى سجن كبير بلا غذاء ولا دواء.

وفي ظل هذا الصمت الدولي، تتفاقم الكارثة يوماً بعد يوم. فالمنظمات الأربعون التي أطلقت هذا النداء ليست سوى صوت خافت في عالم يتجاهل معاناة غزة، فيما يستمر الاحتلال في عرقلة المساعدات وإدامة الحصار كأداة لإبقاء الشعب الفلسطيني رهينة إرادته. إن ما يجري ليس مجرد عرقلة إدارية، بل استمرار لإجرام الاحتلال بأساليب جديدة، هدفها كسر إرادة الفلسطينيين وتجويعهم حتى الركوع — وهو ما يجعل من فتح ممرات إنسانية حقيقية مطلباً أخلاقياً عاجلاً، قبل أن يتحول القطاع إلى مقبرة جماعية أخرى بصمت العالم.

اقرأ أيضًا : جرائم الاحتلال تتصاعد: اقتحامات بالضفة وعبوة تستهدف جنوده شرق نابلس