تعيش مدن وبلدات الضفة الغربية حالة من الرعب المتصاعد مع استمرار اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، في ظل اعتراف نادر من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن موجة العنف “خرجت عن السيطرة”، فيما يقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمام مأزق سياسي وشعبي متفاقم، في وقت تتزايد فيه المطالبات بالرد الميداني على إرهاب المستوطنين.

اعتداءات منسقة وممنهجة
أصيب اليوم ثلاثة مزارعين فلسطينيين برصاص مستوطنين أثناء قطفهم الزيتون في قرية المنيا جنوب شرقي بيت لحم، في أحدث حلقة من سلسلة الهجمات التي تتزامن مع موسم الزيتون السنوي، الذي يشكل شريان الحياة الرئيس لآلاف الأسر الفلسطينية. كما أضرم مستوطنون النار في مركبة وغرفة زراعية ببلدة فرعتا شرقي قلقيلية، وأطلقوا مواشيهم في أراضي الفلسطينيين شمال وجنوب الخليل، مخربين أشجار الزيتون ومصادر رزق السكان.
وامتدت الاعتداءات إلى قرى نابلس، حيث هاجم مستوطنون فلسطينيين وناشطين أجانب في بلدة بيتا، وأصابوا عدداً من المزارعين في أراضٍ بين بورين وحوارة. هذه الهجمات المتكررة ليست مجرد أحداث معزولة، بل تأتي ضمن نمط واضح من العنف المنظم، إذ يعمل المستوطنون تحت حماية الجيش الإسرائيلي الذي غالباً ما يتدخل لتأمين انسحابهم أو اعتقال الضحايا الفلسطينيين بدلاً من المعتدين.
إقرار إسرائيلي بالعجز
في تطور لافت، نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن “هجمات المستوطنين في الضفة الغربية خرجت عن السيطرة”، في إشارة إلى اتساع رقعة العنف وعجز المؤسسة الأمنية عن كبحه. هذا الاعتراف، وإن بدا محاولة لتبرئة الحكومة من التواطؤ، إلا أنه يكشف عن حالة من الانفلات التي خلقتها سياسات حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو، وشركائه مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين يقدمان دعماً علنياً للمستوطنين تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”.
ويرى مراقبون أن هذا الانفلات هو نتيجة مباشرة لتشجيع الحكومة على بناء البؤر العشوائية وتوسيع المستوطنات، إذ بات المستوطنون يشعرون بأنهم فوق القانون، خاصة بعد أن تحولت أجهزة الأمن إلى أداة لحمايتهم لا لمحاسبتهم.
صمت السلطة وغضب الشارع
في المقابل، يواجه محمود عباس انتقادات متزايدة من الفلسطينيين الذين يرون أن السلطة عاجزة عن حماية المواطنين أو حتى عن إيصال قضيتهم إلى المنظمات الدولية بفاعلية. فبينما تتواصل الهجمات اليومية، تكتفي السلطة بإدانة شكلية عبر بيانات خجولة، دون اتخاذ خطوات ميدانية أو سياسية حقيقية.
ويرى محللون أن عباس يخشى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل قد تهدد بقاء سلطته في رام الله، لكنه في الوقت ذاته يفقد ما تبقى من شرعيته الشعبية في ظل العجز عن وقف تمدد المستوطنات أو حماية المزارعين. وتبدو السلطة، في نظر الشارع، وكأنها شريك صامت في معادلة الهيمنة الإسرائيلية على الأرض.
المنظمات الدولية تدق ناقوس الخطر
من جهتها، حذرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من أن اعتداءات المستوطنين خلال موسم قطف الزيتون “تهدد أسلوب حياة آلاف الفلسطينيين”، مؤكدة أن الشهر الماضي كان الأكثر عنفاً منذ 12 عاماً. أما هيئة مقاومة الجدار والاستيطان فأعلنت أن سلطات الاحتلال تدرس بناء أكثر من 2000 وحدة استيطانية جديدة خلال الأسبوع المقبل، في خطوة تُعد تحدياً صارخاً لكل قرارات الشرعية الدولية.
ووفق تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، شهد موسم الزيتون الحالي أعلى مستوى لهجمات المستوطنين منذ خمس سنوات، حيث تم تسجيل 126 اعتداء على أكثر من 70 قرية وبلدة فلسطينية، شملت تخريب 4000 شجرة وشتلة زيتون، وهو ما يمثل ضرباً مباشراً لاقتصاد المزارعين الذين يعتمدون على الزيتون كمصدر دخل أساسي.
تصعيد في ظل حرب الإبادة
تأتي هذه الاعتداءات ضمن موجة تصعيد إسرائيلية أوسع في الضفة الغربية ترافق العدوان المستمر على قطاع غزة، إذ وثّقت منظمات حقوقية استشهاد أكثر من 1063 فلسطينياً في الضفة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإصابة نحو عشرة آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 20 ألف شخص بينهم 1600 طفل.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن قوات الاحتلال واصلت عملياتها العسكرية في الضفة، بما في ذلك الاغتيالات والاقتحامات والاعتقالات، وسط تواطؤ دولي وصمت عربي مريب.
مشهد يتجه نحو الانفجار
المراقبون يرون أن استمرار هذه الاعتداءات دون رادع سيؤدي إلى انفجار ميداني واسع في الضفة الغربية، خاصة مع تزايد الدعوات داخل الفصائل الفلسطينية لتشكيل “لجان حماية شعبية” للتصدي للمستوطنين. في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي فرض قيود على حركة الفلسطينيين، ويغلق الطرق بين القرى، ما يزيد من توتر الأوضاع ويعمّق الشعور باليأس والغضب.
في ظل هذا المشهد، يجد محمود عباس نفسه أمام مأزق مزدوج: سلطة بلا سلطة وشعب يفقد الثقة في قيادته، بينما تتجه الضفة نحو واقع جديد تفرضه عصابات المستوطنين المدعومة من جيش الاحتلال. وبينما يُقرّ الإسرائيليون أنفسهم بأن الهجمات خرجت عن السيطرة، يبقى السؤال: من يسيطر فعلاً على الأرض في الضفة الغربية — الدولة أم المستوطنون؟
اقرأ أيضًا : خيانة الإمارات.. المجلس العربي يتهم أبوظبي بتمويل حرب دارفور ومخطط تقسيم السودان