تشهد الضفة الغربية المحتلة منذ فجر الثلاثاء تصعيداً ميدانياً واسعاً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي التي نفّذت عشرات الاقتحامات في مدن وبلدات فلسطينية، تخللتها مواجهات عنيفة واعتقالات، في وقت يلتزم فيه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بسياسة التنسيق الأمني التي يرى الفلسطينيون أنها تمثل غطاءً لخيانة وطنية في لحظة مواجهة مفتوحة مع الاحتلال والمستوطنين.

تصعيد ممنهج واقتحامات متزامنة

بحسب مصادر فلسطينية، شنّت قوات الاحتلال حملة اقتحامات هي الأوسع منذ أسابيع في مدن نابلس، طولكرم، قلقيلية، طوباس، الخليل، وبيت لحم، إلى جانب بلدة بيت فوريك التي شهدت استشهاد شابين قبل يوم واحد على يد جنود الاحتلال والمستوطنين.

وقد اقتحمت القوات الإسرائيلية أحياءً عدة في نابلس وداهمت منازل المواطنين، واعتقلت ثلاثة شبان على الأقل، فيما تكررت عمليات الدهم في بلدة بيت فوريك التي تعيش حالة حصار منذ اغتيال الشابين.

وفي قلقيلية وطولكرم، طالت الاعتقالات عدداً من الشبان بعد عمليات تفتيش وتخريب للمنازل والمحال التجارية، بينما داهم الجنود محيط جامعة القدس المفتوحة في طوباس، في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام الانتفاضة الثانية حين كانت الاقتحامات اليومية جزءاً من سياسة الإخضاع الممنهجة.

مواجهات واشتباكات بالرصاص والغاز

ترافقت الاقتحامات مع مواجهات عنيفة في عدة محاور، خصوصاً في بلدة قباطية جنوب جنين، حيث أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي والمعدني باتجاه الشبان الذين تصدوا لها بالحجارة والزجاجات الحارقة.

وفي مخيم الأمعري بمدينة البيرة وسط الضفة، شهدت المنطقة اشتباكات واسعة بعد اقتحام قوة إسرائيلية للمخيم وإطلاقها قنابل الغاز المدمع والقنابل المضيئة بكثافة، في حين امتدت المواجهات إلى مدينة رام الله وبلدات سلواد ونعلين ودير جرير، التي داهمتها القوات الإسرائيلية فجراً ونفذت فيها عمليات تفتيش واعتقال.

وبحسب شهود عيان، حاول الاحتلال خلال هذه العمليات استعراض قوته العسكرية عبر تحليق طائرات مسيّرة في سماء رام الله ونابلس، ما يعكس سياسة الترهيب الجماعي التي يتبعها ضد المدنيين، لا سيما مع استمرار الانتفاضات المحلية التي يشارك فيها شبان غير منتمين لأي فصيل رسمي، وهو ما يقلق تل أبيب التي تعتبر الضفة ساحة مواجهة مفتوحة موازية لجبهة غزة.

المستوطنون.. ذراع ميداني للاحتلال

في موازاة تحركات الجيش، صعّد المستوطنون اعتداءاتهم على المزارعين الفلسطينيين. ففي جنوب بيت لحم، أقدم مستوطنون على إحراق أشجار الزيتون في محيط بلدة تقوع، ورشقوا سيارات الفلسطينيين بالحجارة عند الدوار الرئيسي للبلدة، فيما اكتفى جنود الاحتلال بحمايتهم.

ويؤكد شهود محليون أن هذه الاعتداءات تأتي ضمن حملة منظمة هدفها تهجير المزارعين من أراضيهم، خاصة في موسم قطف الزيتون الذي يمثل أحد الرموز الاقتصادية والثقافية للفلسطينيين.

كما شهدت مدينة الخليل اقتحامات جديدة وعمليات تمشيط في محيط بلدة دورا، بالتوازي مع مداهمات في كفر عقب شمال القدس المحتلة، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية قنابل الغاز المسيل للدموع على تجمعات شبابية احتجاجية.

خيانة السلطة وتواطؤ التنسيق الأمني

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الاعتداءات الإسرائيلية والمستوطنات المسلحة، يواصل محمود عباس وقيادة السلطة الفلسطينية سياسة الصمت، بل والمشاركة غير المباشرة في تثبيت القبضة الأمنية الإسرائيلية من خلال استمرار التنسيق الأمني الذي وصفته فصائل المقاومة بأنه “خيانة صريحة” للمشروع الوطني.

فبينما يعتقل الاحتلال آلاف الشبان، لا تزال الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة تلاحق المقاومين وتمنع التظاهرات الداعمة لغزة، ما جعل الشارع الفلسطيني يرى في سلوك السلطة امتداداً لسياسات الاحتلال وليس نقيضاً لها.

ويؤكد محللون أن الاحتلال يستفيد من هذه العلاقة لتكثيف عملياته الميدانية في الضفة، مستغلاً غياب أي رد فعل رسمي من رام الله، الأمر الذي ساهم في تحويل مدن الضفة إلى مناطق عمليات يومية أشبه بمعسكر مفتوح.

الضفة بين القمع والمقاومة

منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، شهدت الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في وتيرة القمع. فقد استشهد أكثر من 1057 فلسطينياً وأُصيب نحو 10 آلاف آخرين، فيما اعتُقل أكثر من 20 ألف شخص، بينهم 1600 طفل، وفق بيانات فلسطينية رسمية.

ويقول مراقبون إن الاحتلال يسعى عبر هذه السياسة إلى كسر روح المقاومة في الضفة وقطع خطوط الإسناد الشعبي مع غزة، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحدياً متزايداً من المجموعات الشبابية المسلحة التي تتشكل في المخيمات والمدن الشمالية مثل جنين ونابلس وطولكرم.

نهاية مفتوحة وصمت رسمي

في ظل هذا التصعيد، يتواصل الغضب الشعبي ضد السلطة الفلسطينية التي فشلت في حماية المدنيين أو وقف الاعتقالات، بل اتُّهمت بالتواطؤ مع الاحتلال. فبينما تنفذ إسرائيل اقتحاماتها اليومية وتعتقل المئات، يخرج مسؤولو السلطة ببيانات دبلوماسية باهتة لا ترقى إلى حجم الجرائم، ما عمّق فجوة الثقة بين الشارع والقيادة.

ويرى مراقبون أن استمرار عباس في هذه السياسة قد يدفع نحو انفجار شامل في الضفة، لا سيما أن المزاج الشعبي يتجه نحو خيار المقاومة المسلحة باعتباره السبيل الوحيد للدفاع عن الأرض والكرامة.

في المحصلة، تتكشف الضفة يوماً بعد يوم كساحة اشتباك ميداني وسياسي، حيث يتحالف الاحتلال والمستوطنون من جهة، والسلطة الصامتة من جهة أخرى، ضد شعبٍ يواجه مصيره وحيداً. وبينما تواصل إسرائيل اقتحاماتها اليومية، تتزايد الدعوات لإنهاء خيانة محمود عباس واستعادة مشروع وطني مقاوم يعيد للضفة روحها التي أراد الاحتلال والسلطة إخمادها.

اقرأ أيضًا : السيسي يغرق مصر في الديون.. المركزي يقترض 83 مليار جنيه لسد عجز الموازنة