لم يعد الموت في دارفور يميز بين المقاتل والطفل، ولا بين المستشفى وساحة المعركة. ففي واحدة من أبشع صور الحرب السودانية المستمرة منذ أكثر من عام ونصف، أعلنت لجان إغاثية سودانية، الاثنين، أن “قوات الدعم السريع” شنت هجمات بطائرات مسيرة على منطقتي كرنوي والطينة شمالي ولاية شمال دارفور، واستهدفت بشكل مباشر مستشفى الأطفال في كرنوي، في وقت تتعرض فيه المنطقة لقصف متواصل.
الهجوم الذي وصفته منظمات إغاثية بأنه “جريمة حرب متكاملة الأركان”، يأتي في ظل تصاعد غير مسبوق للعنف في شمال دارفور، واستمرار الدعم الخارجي الممنهج الذي تتلقاه قوات الدعم السريع من الإمارات، التي باتت تُتهم اليوم بأنها شريك مباشر في مأساة إنسانية تُرتكب بحق المدنيين.
تنسيقية لجان مقاومة الفاشر، وهي إحدى أبرز الهيئات الإغاثية المحلية، قالت في بيان إن المستشفى كان يعالج عشرات الأطفال ممن نزحوا من مناطق القتال، قبل أن يتحول إلى هدف لطائرات الدعم السريع، ما أدى إلى دمار واسع في المبنى وإصابة عدد من العاملين. وتحدثت مصادر طبية عن حالة هلع في صفوف المدنيين، بعدما انتشرت الطائرات المسيّرة في سماء المنطقة، مستهدفة البنية التحتية المدنية في تحدٍّ واضح للقانون الدولي الإنساني.

العدالة الدولية تتحرك.. والمدعي العام يحقق في جرائم الفاشر
في أعقاب الهجوم، أعلن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عن تحرك فوري لجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة في مدينة الفاشر وعموم شمال دارفور، مشيرًا إلى أن التقارير الواردة من هناك تتحدث عن “عمليات قتل جماعي واغتصاب وجرائم أخرى” يُزعم ارتكابها أثناء هجمات قوات الدعم السريع.
وأكد المكتب أن هذه الجرائم، إذا ثبتت، قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي، مشيرًا إلى أن القرار الأممي رقم 1593 لعام 2005 منح المحكمة الولاية القضائية الكاملة للتحقيق في جرائم دارفور.
وبحسب بيان المدعي العام، فإن الهجمات الأخيرة على المرافق الطبية، بما في ذلك مستشفى كرنوي للأطفال، تشكّل جزءًا من نمط أوسع من الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها قوات الدعم السريع منذ اندلاع القتال في نيسان/أبريل 2023، مشددًا على أن استهداف المستشفيات جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، ولا يمكن تبريرها بأي ذريعة عسكرية.
ويرى محللون أن تحرك المحكمة الجنائية يمثل بداية ضغط دولي جديد على قادة الدعم السريع وداعميهم الإقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات، التي تواجه اتهامات متكررة من الأمم المتحدة ومنظمات دولية بتزويد قوات “حميدتي” بالأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة المستخدمة في قصف المدنيين.
الإمارات.. الممول الخفي للحرب على المدنيين
الهجوم على مستشفى كرنوي ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة من الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا في دارفور. تقارير دولية، من بينها تحقيقات لـ”وول ستريت جورنال” و”الجارديان”، أكدت أن الإمارات تستخدم قواعد جوية في ليبيا وتشاد لإرسال الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، بما في ذلك الطائرات المسيّرة التي تُستخدم في قصف المدن السودانية.
وبحسب مصادر سودانية ميدانية، فإن نوعية الطائرات التي استُخدمت في قصف مستشفى كرنوي مطابقة للطرازات الصينية والتركية الصنع التي وصلت إلى الدعم السريع عبر أبوظبي. هذا ما دفع ناشطين سودانيين إلى وصف الإمارات بأنها “الفاعل الحقيقي وراء الجرائم في دارفور”، مؤكدين أن الدعم اللوجستي الإماراتي هو ما مكّن قوات “حميدتي” من السيطرة على معظم مناطق الإقليم، وارتكاب مجازر مروّعة بحق المدنيين.
ويذهب بعض المحللين إلى أن أبوظبي لا تسعى فقط لتوسيع نفوذها الاقتصادي في السودان، بل أيضًا لتأمين ممرات استراتيجية نحو إفريقيا الوسطى والنيجر وتشاد عبر دعم مليشيات محلية موالية لها. وهو ما يجعلها شريكًا مباشرًا في زعزعة استقرار السودان وتغذية النزاعات الإقليمية، خلافًا لتصريحاتها العلنية التي تدّعي الحياد والعمل الإنساني.
دارفور بين القصف والتقسيم
منذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، يعيش سكان دارفور في كابوس من العنف والانفلات الأمني. المجازر التي ارتُكبت في الفاشر، كما في الجنينة ونيالا، تشير إلى محاولة منهجية لتغيير التركيبة السكانية وتقسيم الإقليم على أسس عرقية، في مشهد يعيد إلى الأذهان جرائم التطهير العرقي التي شهدها الإقليم مطلع الألفية.
وبينما أقرّ “حميدتي” نفسه بحدوث “تجاوزات” ووعد بتشكيل لجان تحقيق، يرى مراقبون أن تلك الوعود ليست سوى مناورات سياسية لتخفيف الضغوط الدولية، خاصة بعد أن أصبحت دارفور تحت السيطرة الكاملة لقواته تقريبًا، باستثناء مناطق كرنوي وأمبرو والطينة التي لا تزال تحت سيطرة الجيش السوداني.
خاتمة: حرب على الإنسانية بصمت دولي
الهجوم على مستشفى كرنوي للأطفال يعيد طرح السؤال الأكبر: كم عدد الجرائم التي يجب أن تُرتكب قبل أن يتحرك المجتمع الدولي فعليًا؟
فبينما تواصل قوات الدعم السريع قصفها للمدن بالطائرات المسيّرة وتنفذ عمليات قتل واغتصاب ممنهجة، تكتفي بعض العواصم الغربية بإصدار بيانات “القلق العميق”، فيما تستمر الإمارات في تمويل آلة الحرب دون أي مساءلة.
إن ما يحدث في شمال دارفور ليس مجرد “صراع داخلي”، بل حرب ممنهجة ضد المدنيين تشترك فيها أطراف إقليمية لها مصالح اقتصادية وسياسية واضحة. وما لم يُحاسَب داعمو الدعم السريع، فإن مستشفيات الأطفال ستظل أهدافًا مفتوحة لطائرات مسيّرة لا تعرف الرحمة، تُدار من عواصم بعيدة تُغلف جرائمها بشعارات “السلام والتنمية”.
اقرأ أيضًا : سفراء السودان يتوعدون بطرد “الدعم السريع” من الفاشر.. وإجرام الإمارات في دارفور يعود إلى الواجهة