في سابقة تاريخية تشي بتغيّرٍ عميق في المزاج السياسي الأميركي، فاز المرشح الديمقراطي التقدّمي زهران ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، ليصبح أول مسلم وأول أميركي من أصول جنوب آسيوية يتولى قيادة أكبر مدن الولايات المتحدة.
وجاء هذا الفوز المدوي في ليلة انتخابية مثّلت دفعة قوية للحزب الديمقراطي، الذي حقّق انتصارات متزامنة في ولايتي فرجينيا ونيوجيرسي، فيما وُصفت النتائج بأنها “صفعة مدوية” للجمهوريين ولحلفائهم من أنصار الرئيس دونالد ترامب.

فوز تاريخي يعيد رسم المشهد السياسي في نيويورك
بفارق تجاوز مئة ألف صوت، حسم ممداني (34 عامًا) السباق لصالحه بعد حصوله على 50.4% من الأصوات مقابل 41.3% لمنافسه الجمهوري كورتيس سْليوا، فيما حلّ الحاكم السابق أندرو كومو ثالثًا. وأعلن ممداني فوزه وسط حشود من أنصاره في كوينز، مؤكدًا أن النصر “تفويض من أجل التغيير ومن أجل سياسة جديدة تعيد العدالة الاجتماعية إلى قلب نيويورك”.
وقال في خطاب النصر الذي تخللته هتافات وتصفيق حار:
“لقد منحتموني تفويضًا لأجل العمال، لأجل المهاجرين، لأجل كل من حُرم من صوتٍ في هذه المدينة. هذا الفوز ليس لي وحدي، بل لكل من حلم بمدينة أكثر عدلًا وإنسانية”.
ويُنتظر أن يؤدي ممداني اليمين رسميًا في مطلع يناير/كانون الثاني المقبل ليبدأ ولايته كأول مسلم في تاريخ المدينة يتولى هذا المنصب، في خطوة وُصفت بأنها “تحوّل ثقافي وسياسي” في بلد لطالما هيمنت عليه الصورة النمطية تجاه المسلمين بعد هجمات 11 سبتمبر.
ممداني.. الاشتراكي الذي صعد من الشارع إلى قمة نيويورك
زهران ممداني، المولود في أوغندا لأبوين من أصول هندية، ينتمي إلى الجيل الجديد من اليسار الأميركي المتأثر بأفكار العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة. قبل دخوله معترك السياسة، عمل منظمًا مجتمعيا في أحياء كوينز، حيث واجه بشكل مباشر أزمات الإيجارات وغلاء المعيشة التي تعصف بسكان المدينة.
وفي حملته الانتخابية، ركّز ممداني على قضايا الإسكان والنقل والعدالة الاقتصادية، متعهدًا بفرض تجميد للإيجارات، وتوسيع خدمات النقل العام، وتخفيض كلفة المعيشة عبر ما وصفه بـ”اقتصاد يخدم الناس لا الشركات”.
وقد تبنّى خطابًا صريحًا ينتقد “هيمنة المال على السياسة”، وهو ما جعله هدفًا دائمًا لهجمات اليمين الجمهوري والإعلام المحافظ، بل وحتى بعض الأصوات داخل حزبه الديمقراطي التي اعتبرت أفكاره “راديكالية”.
اللوبي الإسرائيلي يخسر معركة نيويورك
لم يكن فوز ممداني مجرد انتصار حزبي، بل هو رسالة سياسية تتجاوز حدود المدينة، خاصة في ظل ما واجهه من محاولات منظمة لإقصائه بسبب مواقفه المناصرة للفلسطينيين وانتقاداته للحكومة الإسرائيلية خلال حربها على غزة.
فقد هاجمته منظمات موالية لإسرائيل واتهمته بـ”معاداة السامية”، وضغطت لإسقاطه من قوائم الحزب الديمقراطي، إلا أن هذه الحملات انقلبت عكسيًا، ودفعت كثيرًا من الناخبين الشباب واليساريين إلى الالتفاف حوله دفاعًا عن حرية التعبير.
ورأى مراقبون أن فوز ممداني يعبّر عن تحول جذري في وعي الجيل الأميركي الجديد، الذي لم يعد يخضع بسهولة للابتزاز السياسي والإعلامي باسم “الدفاع عن إسرائيل”، بل بات أكثر انفتاحًا على قضايا العدالة العالمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وقال السيناتور التقدمي بيرني ساندرز تعليقًا على النتيجة:
“فوز زهران ممداني ليس مجرد فوز انتخابي، بل واحدة من أكبر المفاجآت السياسية في التاريخ الحديث، ودليل على أن الشعب الأميركي تغيّر ولم يعد يقبل بسياسات القهر والتمييز”.
الانتصارات الديمقراطية تتوالى
تزامن فوز ممداني مع فوز المرشحتين الديمقراطيتين أبيغيل سبانبرغر في ولاية فرجينيا وميكي شيريل في ولاية نيوجيرسي بمنصب الحاكم، في نتائج وصفتها الصحافة الأميركية بأنها “ثلاثية ذهبية” تُعيد الثقة للحزب الديمقراطي بعد فترة من التراجع والانقسامات.
سبانبرغر، وهي ضابطة سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أصبحت أول امرأة تتولى منصب حاكم فرجينيا، بينما عززت شيريل سيطرة الحزب على نيوجيرسي بفوز مريح على منافسها الجمهوري.
هذه الانتصارات المتتالية منحت الحزب زخماً كبيراً قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس العام المقبل، ورسّخت الاعتقاد بأن الناخب الأميركي بات أكثر ميلاً للوسطية والتقدّمية الاجتماعية، بعيداً عن خطاب الكراهية والشعبوية الذي يروّج له ترامب وحلفاؤه.
ترامب يبرر الخسارة.. والديمقراطيون يحتفلون بالتغيير
في أول تعليق له، حاول الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تبرير الهزائم المتتالية بالقول إن “غياب اسمه عن ورقة الاقتراع” و”الإغلاق الحكومي الأخير” سببا خسارة الجمهوريين.
لكن تصريحات ترامب قوبلت بسخرية من زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الذي قال إن “النتائج تمثل رفضًا واضحًا لأجندة القسوة والفوضى التي يروّجها اليمين المتطرف”.
من جهته، أكّد ممداني في كلمته الختامية أن “التغيير بدأ من نيويورك”، مضيفًا أن مدينته “ستكون نموذجًا لسياسة تخدم الناس لا الشركات، وتؤمن بالعدالة للجميع، من بروكلين إلى غزة”.
خاتمة: نيويورك تُعلن بداية مرحلة جديدة
يشكّل فوز زهران ممداني نقطة تحوّل في التاريخ السياسي الأميركي، ليس فقط لأنه أول مسلم يتولى قيادة نيويورك، بل لأنه انتصر بخطاب صادق يعبّر عن هموم الطبقات العاملة والمهاجرين، وتحدّى عبر صناديق الاقتراع نفوذ اللوبيات الاقتصادية والإسرائيلية.
إنها رسالة بأن التغيير قادم من القاعدة الشعبية، وأن أصوات العدالة والمساواة باتت أقوى من ضجيج المصالح والمال السياسي.
اقرأ أيضًا : الإمارات.. وكيل الاحتلال الإسرائيلي الذي يخشى القتال نيابة عنه في غزة