سلطت صحف ومواقع عالمية الضوء على الكارثة الإنسانية المتفاقمة في مدينة الفاشر، شمال دارفور، بعد تصاعد هجمات قوات الدعم السريع التي تُتهم بارتكاب جرائم حرب ممنهجة ضد المدنيين، في ظل اتهامات مباشرة للإمارات بتمويل وتسليح هذه الميليشيا التي باتت تمثل التهديد الأكبر لاستقرار السودان ووحدته.
صحيفة الغارديان البريطانية نشرت تقريراً موسعاً نقلت فيه تصريحات السفير السوداني في القاهرة عماد الدين مصطفى عدوي، الذي دعا المجتمع الدولي إلى تصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية”، مؤكداً أن الحكومة السودانية ترفض التفاوض مع من “تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء”. وعدوي أشار إلى أن ما يجري في الفاشر هو “إبادة جماعية صريحة” تُمارسها قوات مدعومة من الخارج في إشارة واضحة إلى الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه الإمارات.
وأوضحت الصحيفة أن الخرطوم تتهم أبوظبي بتزويد قوات الدعم السريع بالمركبات القتالية والطائرات المسيّرة التي استخدمت في مهاجمة الأحياء السكنية والمرافق الطبية في الفاشر، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى وتشريد عشرات الآلاف من السكان. كما أضافت أن منظمات أممية تلقت تقارير متطابقة تفيد بارتكاب الميليشيا أعمال قتل جماعي واغتصاب ونهب للمساعدات الإنسانية.

أرقام صادمة ومعاناة بلا نهاية
وفي تقرير ميداني لمنظمة الهجرة الدولية نقلته الغارديان، كشفت الأرقام عن حجم الكارثة التي تعيشها المدينة، حيث فرّ أكثر من 36 ألف مدني من الفاشر منذ مطلع الأسبوع الماضي، أغلبهم من النساء والأطفال الذين يسيرون لمسافات طويلة نحو مدينة طويلة الواقعة غرب الفاشر، والتي تؤوي بالفعل أكثر من 652 ألف نازح.
تقرير المنظمة أشار إلى أن الفارين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والماء، وأن الطرق المؤدية إلى مناطق اللجوء تعج بجثث القتلى الذين سقطوا أثناء محاولتهم الهرب من القصف.
وأضافت الصحيفة أن منظمات الإغاثة عاجزة عن الوصول إلى المدينة بسبب القتال المستمر، وأن معظم المستشفيات أُغلقت بعد أن تعرّضت للقصف أو النهب. ونقلت عن مصادر ميدانية أن مقاتلي الدعم السريع يستخدمون طائرات مسيّرة لاستهداف التجمعات المدنية، وأنهم منعوا عمليات الدفن ودفنوا بعض الضحايا في مقابر جماعية لإخفاء الأدلة على جرائمهم.
“الإندبندنت”: شهادات مروعة وجرائم ضد الإنسانية
أما صحيفة الإندبندنت البريطانية فقد خصصت تقريراً مطولاً عن الوضع الإنساني في الفاشر، استعرضت فيه شهادات مروعة من الناجين حول الاعتداءات الجنسية وعمليات التعذيب الممنهج التي ارتكبها مقاتلو الدعم السريع.
وأشارت إلى أن الميليشيا كانت تتنقل من منزل إلى آخر لارتكاب جرائم الاغتصاب الجماعي، فيما لجأ السكان إلى مخابئ تحت الأرض قبل سقوط المدينة خوفاً من الطائرات المسيّرة التي كانت تستهدف الملاجئ والمدارس والمساجد.
وأفاد أحد شهود العيان للصحيفة بأن عناصر الدعم السريع “أعدموا المدنيين في الشوارع لمجرد الاشتباه في تعاونهم مع الجيش”، بينما تحدث آخرون عن “نهب المستشفيات وسرقة الأدوية ومولدات الكهرباء”، مؤكدين أن عناصر الميليشيا استخدموا النساء دروعاً بشرية خلال الاشتباكات.
ووصفت الصحيفة سقوط الفاشر بأنه “نقطة تحول مأساوية” في الحرب السودانية، وأن مصير نحو 200 ألف مدني ما زال مجهولاً وسط مخاوف من وقوع مجازر جديدة إذا استمرت الميليشيا في السيطرة على المدينة.
دعوات دولية متصاعدة لتصنيف “الدعم السريع” إرهابية
وفي ظل هذا التصعيد الدموي، تصاعدت الدعوات الدولية لتصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية، إذ طالبت شخصيات سياسية وحقوقية من أوروبا والولايات المتحدة بفرض عقوبات فورية على قادتها ومموليهم.
وأشارت الغارديان إلى أن الحكومة السودانية أعدّت ملفاً متكاملاً لرفعه إلى مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية يتضمن أدلة على تورط الإمارات في تسليح الميليشيا عبر شحنات قادمة من ليبيا وتشاد.
وفي السياق ذاته، نشرت مجلة Foreign Policy الأمريكية تقريراً يؤكد أن الدعم السريع “تحوّل إلى قوة مرتزقة عابرة للحدود”، تتلقى دعماً مادياً من أطراف خارجية “تسعى لتوسيع نفوذها في إفريقيا عبر إشعال الفوضى”. وذكرت المجلة أن المعلومات الاستخباراتية المتاحة تُظهر أن أبوظبي نقلت معدات عسكرية عبر شركة “إيدج” (EDGE Group) إلى مناطق يسيطر عليها اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، ومنها وصلت إلى السودان.
أبوظبي في قفص الاتهام الدولي
ورغم نفيها المتكرر، تواجه الإمارات اتهامات متزايدة بالضلوع المباشر في الحرب السودانية، سواء من خلال تمويل الدعم السريع أو تزويده بالسلاح عبر وسطاء في إفريقيا الوسطى وليبيا.
وذكرت الغارديان أن واشنطن ولندن تدرسان خيارات لمعاقبة الشركات الإماراتية المتورطة في تهريب الأسلحة إلى السودان، وأن بعض المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية بدأوا يضغطون لفرض عقوبات شخصية على قيادات إماراتية تورطت في تلك الأنشطة.
وبحسب دبلوماسيين نقلت عنهم الصحيفة، فإن الفاشر أصبحت رمزاً لفشل المجتمع الدولي في وقف جرائم الحرب، وأن استمرار الدعم الخارجي للميليشيات يعني “إطالة أمد النزاع وتحويل السودان إلى بؤرة دائمة للفوضى والتهريب”.
خاتمة: فشل أممي وتواطؤ إقليمي
ختاماً، يتفق المراقبون على أن مأساة الفاشر تكشف عن تواطؤ إقليمي خطير تغذّيه حسابات سياسية واقتصادية، وأن الإمارات – رغم محاولاتها التبرؤ من الميليشيا – تبقى الممول الأبرز لآلة القتل في دارفور.
فبينما تتحدث أبوظبي عن “السلام والاستقرار”، تتدفق الأسلحة عبر طائراتها نحو الميليشيات التي تذبح المدنيين وتحرق المدن. أما المجتمع الدولي، فيبدو عاجزاً أو متواطئاً أمام جرائم ترتكب على مرأى العالم، في واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في إفريقيا المعاصرة.
اقرأ أيضًا : الإمارات.. مجرمة حرب تقف خلف طائرات ميليشيا قصفت الأطفال في دارفور