في تطور لافت في المشهد السوداني المشتعل، وجّه السفير السوداني لدى إثيوبيا الزين إبراهيم، اتهامات مباشرة لدول إقليمية ودولية بالضلوع في سقوط مدينة الفاشر عبر دعم مليشيا الدعم السريع بأسلحة متطورة ومحرمة دوليًا، ومعلومات استخباراتية مصدرها أقمار صناعية غربية. تصريحات الدبلوماسي جاءت في مؤتمر صحفي بأديس أبابا، عكست حجم الغضب الرسمي السوداني من التدخلات الخارجية التي يرى أنها قلبت موازين المعركة في إقليم دارفور.

سقوط الفاشر.. نتيجة دعم خارجي منسّق
استهل السفير حديثه بالتأكيد على أن ما يجري في الفاشر “لم يكن نتيجة معركة داخلية فقط، بل ثمرة تدخل خارجي منظم”، موضحًا أن المدينة صمدت لأكثر من 500 يوم في وجه حصار خانق وهجمات متكررة قبل أن تسقط مؤخرًا إثر إدخال دعم عسكري متطور إلى صفوف المليشيا.
وأشار الزين إبراهيم إلى أن تلك القوات تلقت “دعمًا استخباراتيًا عبر الأقمار الصناعية، ومعلومات ميدانية دقيقة مكّنتها من تجاوز خطوط الدفاع”، وهو ما وصفه بأنه “عمل عسكري منسق يرقى إلى مستوى العدوان غير المعلن على السودان”.
وتابع قائلاً إن الأسلحة التي استخدمتها قوات الدعم السريع تحمل بصمات دول إقليمية معروفة، في إشارة غير مباشرة إلى الإمارات التي تتهمها تقارير دولية بأنها الممول الأبرز لتلك المليشيا منذ بداية الحرب في أبريل 2023. وأضاف أن بعض تلك الأسلحة “محرّمة دوليًا واستخدمت ضد المدنيين في المستشفيات والمدارس، ما يجعل ما حدث جريمة حرب مكتملة الأركان”.
أسلحة محرّمة ومجازر موثقة
اتهم السفير المليشيا باستخدام أسلحة كيماوية محرمة دوليًا وذخائر حارقة ضد أحياء سكنية ومراكز طبية في الفاشر، مشيرًا إلى أن صورًا وفيديوهات نشرها المقاتلون أنفسهم توثّق ارتكابهم لتلك الجرائم. واعتبر أن تصوير الجناة لأنفسهم أثناء تنفيذ المجازر “تحدٍ سافر لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية”، داعيًا إلى فتح تحقيق فوري بإشراف الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية.
وأوضح أن “السكوت الدولي على تلك الانتهاكات لن يُفسر إلا كتشجيعٍ للمجرمين على التمادي”، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي أقرّ سابقًا بمسؤولية الدعم السريع عن مجازر الجنينة عام 2023، لكنه فشل في اتخاذ خطوات رادعة، مما مهّد لتكرار المأساة في الفاشر.
التعبئة الوطنية والدفاع عن السيادة
وفي سياق متصل، شدّد السفير السوداني على أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفه بـ”الإرهاب المنظّم”، مشيرًا إلى أن مجلس الأمن والدفاع أعلن التعبئة العامة ودعا الشعب السوداني إلى الاصطفاف خلف القوات المسلحة “لاستعادة المدن المحتلة وتحرير الوطن من المرتزقة”.
وأكد أن “الشعب السوداني موحد خلف جيشه، وأن إرادة السودانيين ستنتصر على المشروع الذي يراد له تمزيق البلاد وتقسيمها على أسس عرقية ومناطقية”.
كما دعا إبراهيم المجتمع الدولي إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية وفرض عقوبات شاملة عليها وعلى الداعمين لها، مشيرًا إلى ضرورة تجفيف مصادر تمويلها من الخارج عبر تتبع التحويلات البنكية والشركات التي تموّل نشاطها.
اتهامات صريحة ومسارات تهريب
طالب السفير بالتحقيق في دور بعض الدول الإقليمية التي تمر عبرها الأسلحة والمرتزقة إلى السودان، في إشارة إلى المسارات الليبية والتشادية التي تحدثت عنها تقارير أممية كطرق رئيسية لشحنات السلاح القادمة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع.
وقال إن “إغلاق تلك المسارات ضرورة لإنهاء الحرب، فطالما استمر تدفق السلاح فلن تعرف دارفور السلام”.
وأضاف أن دور الإمارات بات مكشوفًا، وأن “تذرعها بالعمل الإنساني لم يعد يقنع أحدًا بعد انكشاف استخدام طائراتها في نقل معدات عسكرية إلى مناطق النزاع”.
جلسة أفريقية مرتقبة وموقف السودان
وفي حديثه عن التحركات الدبلوماسية، كشف الزين إبراهيم أن مجلس السلم والأمن الأفريقي سيعقد جلسة خاصة يوم 13 نوفمبر الجاري مخصصة للدول المعلقة عضويتها، مؤكدًا أن السودان سيقدم خلالها خطابًا رسميًا يوضح “حقيقة المؤامرة الخارجية” التي يتعرض لها.
وقال إن وضع السودان يختلف عن الدول الأخرى التي جُمدت عضويتها “لأنه لا يعيش أزمة سياسية داخلية فحسب، بل يواجه حربًا مفروضة من ميليشيا مدعومة من الخارج”.
وطالب بإعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، معتبرًا أن “غياب الاتحاد عن المشهد سمح لقوى أجنبية بملء الفراغ وإدارة الصراع لحساب مصالحها”.
كما لفت إلى أن مجلس السلم والأمن الأفريقي اعترف سابقًا بـمجلس السيادة الانتقالي والحكومة المدنية، مما يستدعي من الاتحاد “أن يتعامل بإنصاف مع الواقع لا مع الروايات الدعائية التي تروجها المليشيات وداعموها”.
نداء إلى المجتمع الدولي
في ختام المؤتمر، وجّه السفير السوداني نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي لمراقبة الوضع في دارفور، ووقف تدفق السلاح والمرتزقة إلى السودان، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
وأكد أن بلاده قادرة على تجاوز محنتها واستعادة استقرارها ووحدتها، إذا ما توقف الدعم الخارجي للمليشيات التي وصفها بـ”أدوات أجندة خارجية هدفها تفكيك السودان وتمزيق نسيجه الوطني”.
وشدد الزين إبراهيم على أن “السودانيين وحدهم من يملكون حق تقرير مصيرهم وبناء دولتهم الديمقراطية”، داعيًا المجتمع الدولي إلى تسمية الأشياء بأسمائها ووقف كل أشكال الدعم العسكري والمالي الذي يُغذي الحرب ويُطيل أمد المأساة.
خلاصة تحليلية:
تصريحات السفير السوداني تمثل تحولًا في الخطاب الرسمي نحو التصعيد الدبلوماسي ضد الإمارات وحلفائها الإقليميين، في محاولة لتدويل قضية دارفور من بوابة الأسلحة المحرمة والدعم الخارجي. وبينما تتجه الأنظار إلى جلسة الاتحاد الأفريقي المرتقبة، يظلّ السؤال الأهم: هل يكفي كشف خيوط المؤامرة لوقف تدفق السلاح على الفاشر، أم أن الصراع سيتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود السودان؟
اقرأ أيضًا : الغارديان: انتشال الجثث في غزة.. مهمة مستحيلة خلّفها الاحتلال الإسرائيلي