رغم تصاعد الغضب الدولي إزاء الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر غرب السودان، تواصل الإمارات سياسة المراوغة والإنكار، متجاهلة الأدلة المتراكمة على تورطها في تمويل وتسليح الميليشيا المسؤولة عن المذابح. وبحسب تقرير تحليلي للصحفي باتريك وينتور في صحيفة الغارديان البريطانية (3 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، تتكشف على نحو أوضح شبكة النفوذ والمال التي رعتها أبوظبي في السودان، تحت لافتات “الاستقرار” و“الحرب على التطرف”، بينما تُترجم على الأرض حربًا وتمزيقًا للدولة ومجازر جماعية.

تمويل الانقلاب وإجهاض التحول الديمقراطي

منذ سقوط عمر البشير عام 2019، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في إجهاض حلم السودانيين ببناء دولة مدنية ديمقراطية. بدل دعم الحكومة الانتقالية التي تشكلت عقب الثورة، ضُخّت مليارات في المجلس العسكري لإعادة تمكين الجنرالات وإقصاء المكوّن المدني. يوضح تقرير الغارديان أن أبوظبي والرياض تعهّدتا بقرض قيمته 3 مليارات دولار للمجلس العسكري، ثم جرى حجب تدفقات لاحقة عندما بدأت الكفة تميل للمدنيين أواخر 2019، في خطوة مهّدت لانقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021 الذي نفذه الجيش وقوات الدعم السريع معًا. بهذه المقاربة، لم تكن أبوظبي تبحث عن “استقرار”، بل عن صيغة حكم عسكري يُبقي نفوذها مضمونًا ويصون مسارات الذهب والموارد.

تغذية الحرب عبر الميليشيات

مع انفجار القتال بين الجيش والدعم السريع في 2023، تكشّف الدور الإماراتي في تغذية الصراع. يوثق تقرير الغارديان، مستندًا إلى أدلة جمعتها الأمم المتحدة وصحفيون مستقلون، مسارات إمداد وسطاء وسلاح عبر ليبيا وتشاد وصولًا إلى دارفور. وعلى الرغم من نفي أبوظبي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات مقرّها الإمارات بتهمة تمويل الميليشيا، في إشارة إلى تورط منظم في تسليح قوة تتحمل مسؤولية جرائم حرب. كما تحوّلت دبي إلى مركز لوجستي ومالي لعوائد شركة الجنيد المرتبطة بحميدتي، ما يعني أن الذهب الملطخ بالدماء يجد طريقه بسهولة إلى الأسواق الإماراتية.

الاقتصاد مقابل الدم—الذهب والزراعة والموانئ

جوهر الاهتمام الإماراتي في السودان اقتصادي بامتياز. يشير تقرير الغارديان إلى أن السودان يُعد “سلة غذاء” محتملة لدول الخليج ومصدرًا رئيسيًا للذهب والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية. رسميًا، ذهبت نحو 97% من صادرات الذهب السودانية المعلنة إلى الإمارات في 2024 بقيمة 1.52 مليار دولار، بينما تُقدَّر الكميات المهرّبة بما يقارب 13.4 مليار دولار سنويًا، تتدفق عبر مسارات سرية إلى دبي. وإلى جانب الذهب، تسعى أبوظبي لترسيخ قدمها على البحر الأحمر عبر مشاريع موانئ مثل ميناء أبو عمامة الذي أُبرمت له صفقة كبرى في ديسمبر 2022، ثم أُلغي لاحقًا، مع محاولات لإحيائه كلما سنحت الفرصة. الخلاصة: استمرار الفوضى يمنع نشوء سلطة قادرة على ضبط الموارد، ويُبقي العوائد في قبضة شبكات التهريب المرتبطة بمصالح إماراتية.

خطاب الإنكار والتسويق الدبلوماسي

ترد أبوظبي على الاتهامات بأنها ضحية “تضليل” يديره إسلاميون ومنظمات يسارية، وتسوّق نفسها وسيطًا محايدًا يسعى لعودة الحكم المدني “الخالي من الإسلاميين”. لكن الوقائع التي يرصّدها تقرير الغارديان تؤكد أن هذا الخطاب يُستخدم لتبرير هندسة سياسية تُقصي المدنيين المستقلين وتُبقي القرار بيد قوات مسلحة أو وكلاء موالين، كما حدث في ليبيا واليمن تحت الذريعة ذاتها. وحتى عند مشاركتها في بيانات “الرباعية” (واشنطن–الرياض–القاهرة–أبوظبي) لوقف النار، تُوظّف أبوظبي المنابر الدبلوماسية لحماية مصالحها ومنع أي مسار يهدد شبكات الذهب والموانئ والتحالفات الميدانية.

تكابرٌ على الدم السوداني وثمن السمعة

لا مؤشرات جدية على استعداد الإمارات للتخلي عن الدعم السريع بوصفه أداة نفوذها الأهم في دارفور وغرب السودان. حتى إذا أظهرت ابتعادًا تكتيكيًا، يظل تمويل القنوات الخلفية والوسطاء خيارًا مفتوحًا لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية. لكن الكلفة تتراكم: سمعة دولية متآكلة، إدانات متزايدة، وتثبيت لصورة “التاجر بالدم” الذي يفضّل نفوذه على أرواح المدنيين. ينبه تقرير الغارديان إلى أن غياب اتفاق على “مجموعة حقائق أساسية” حول من يموّل ومن يسّلح يجعل إنهاء الحرب شديد التعقيد—وهو بالضبط المناخ الذي تستفيد منه شبكات المال والسلاح.

الخاتمة:

يحترق السودان بالحرب والنزوح والمجاعة، فيما تواصل الإمارات المكابرة والاتّجار بدماء السودانيين وتمويل الانقلاب وإدامة اقتصاد الذهب الأسود بريقًا. وكما يوضح تقرير باتريك وينتور في الغارديان، فإن أي حل سياسي حقيقي يبدأ من كبح الدور الإماراتي الذي حوّل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تختلط منافسة الموانئ ومضارب الذهب مع آلة قتل لا تتوقف. بدون تفكيك هذه الشبكات وتمويلها، لن ترى الفاشر ولا السودان هدنة مستدامة ولا انتقالًا مدنيًا ذا معنى.

اقرأ أيضًا : الإمارات.. وكيل الاحتلال الإسرائيلي الذي يخشى القتال نيابة عنه في غزة