تتوالى الشهادات المروّعة من قلب مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعدما سيطرت عليها قوات الدعم السريع في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في مشهدٍ يعكس انهيارًا كاملًا للإنسانية، وسط اتهامات مباشرة للإمارات بتمويل وتسليح هذه القوات التي تحوّلت إلى أداة للقتل والاغتصاب الجماعي والإبادة.
فبعد أكثر من عام من الحصار، دخلت الفاشر مرحلة جديدة من الجحيم، حيث باتت النساء هدفًا للعنف الجنسي المنهجي، والرجال ضحايا للذبح والاختطاف، والمدينة مقبرةً مفتوحةً لا يسمع فيها سوى صرخات الضحايا.

شهادات الناجين: “الاغتصاب كان علنيًا والجثث تملأ الطريق”
تروي أميرة (اسم مستعار)، وهي أم لأربعة أطفال نجت من المدينة بعد رحلة محفوفة بالموت، لمنظمة “أفاز” تفاصيل مرعبة لما عايشته:
“الاغتصاب كان جماعيًا وأمام الناس، لا أحد يستطيع أن يوقفهم.. كانوا يضربون ويعذبون النساء علنًا”.
وتقول إنها احتُجزت في بلدة كورما شمال غربي الفاشر، حيث كان الاغتصاب يتم حتى في الليل “ولا أحد يسأل أو يمنع”، مؤكدة أنها دفعت فدية قدرها 5 مليارات جنيه سوداني كي يُفرج عنها وتُسمح لها بالرحيل مع أطفالها. أما من لا يملك المال، فتُسلب أمواله أو “تُؤخذ بناته للاغتصاب”.
تصف أميرة طريق الهروب بأنه “طريق الموت”:
“كان الطريق مليئًا بالجثث.. تضطر أن تقفز فوقها لتواصل السير”.
وتؤكد أنها شاهدت بعينيها مقاتلي الدعم السريع “يذبحون رجلاً بالسكاكين” أثناء دخولهم قرية قرنة في طريقهم إلى كورما، مضيفة أن مشاهد الدم والرعب لا تفارقها حتى في أحلامها.
أرقام مفزعة وجرائم موثقة
بحسب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أُبلغ عن اغتصاب جماعي لما لا يقل عن 25 امرأة داخل مأوى للنازحين قرب جامعة الفاشر، حيث “اختار عناصر الدعم السريع النساء تحت تهديد السلاح واعتدوا عليهن”، ما دفع مئات الأسر إلى الفرار وسط إطلاق النار والفوضى.
ويقول آدم رجال، المتحدث باسم منسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، إن منظمته وثّقت ما لا يقل عن 150 حالة عنف جنسي منذ سقوط المدينة وحتى مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مشيرًا إلى أن بعضها وقع داخل الفاشر، وأخرى على الطرق المؤدية إلى مدينة طويلة.
كما نقلت منظمات إغاثة دولية شهادات متطابقة عن عمليات تفتيش “مهينة” للنساء عند نقاط التفتيش، حيث يجبر المقاتلون النساء على خلع ملابسهن أمام الناس، ويمزقون حقائب الأطفال والفوط الصحية بحثًا عن المال أو الذهب.
يقول أحد الناجين ويدعى محمد (56 عامًا):
“يفتشون الملابس وإن لم يجدوا شيئًا يبدؤون بالضرب… لا يتركون أي شيء، لا أموالك ولا كرامتك”.
النزوح الجماعي.. هروب من جحيم إلى آخر
منذ سقوط الفاشر، فرّ أكثر من 65 ألف مدني، بينهم نحو 5 آلاف إلى مدينة طويلة غربًا، التي كانت أصلًا تستضيف نصف مليون نازح. يعيش هؤلاء اليوم داخل خيام ممزقة، بلا طعام ولا دواء، فيما تتفشى أمراض الملاريا وسوء التغذية والصدمة النفسية.
يقول آدم رجال:
“الوضع في طويلة يحتاج إلى تدخل فوري، الناس يعانون من الجوع والمرض، والنساء يخفن حتى من الذهاب لجلب الماء”.
المنظمات الإنسانية عاجزة عن الوصول إلى المنطقة بسبب استمرار القتال وانعدام الأمن، بينما ترفض قوات الدعم السريع السماح للقوافل الأممية بالدخول، في خرقٍ صارخ للقانون الدولي الإنساني.
الإمارات في دائرة الاتهام: تمويل العنف والاغتصاب
تأتي هذه الجرائم في ظل تقارير متواترة من صحف عالمية، أبرزها الغارديان ووول ستريت جورنال، تؤكد أن الإمارات كانت وما تزال المموّل الرئيسي لقوات الدعم السريع، عبر قنوات مالية وعسكرية تشمل تزويدها بمركبات “نمر” وقطع غيار الطائرات المسيّرة عبر الأراضي الليبية التي يسيطر عليها اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
ويرى مراقبون أن الصمت الإماراتي عن هذه الفظائع ليس مجرد تواطؤ، بل دليل على شراكة مباشرة في جرائم الحرب، إذ تستفيد أبوظبي من استمرار الفوضى في السودان لبسط نفوذها في موانئ البحر الأحمر ومناجم الذهب في دارفور.
وتشير تحليلات حقوقية إلى أن الدعم المالي والعسكري الإماراتي أسهم في تحويل قوات الدعم السريع إلى ميليشيا مرتزقة عابرة للحدود، تستخدم العنف الجنسي كسلاح حرب لترويع المجتمعات المحلية وكسر إرادتها.
الخاتمة: دارفور تنزف.. والعالم صامت
مع انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول الإنساني، تبقى شهادات الناجين هي النافذة الوحيدة على الكارثة الإنسانية التي تضرب دارفور.
ورغم الأدلة القاطعة على استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، لا تزال الإمارات تتهرّب من المساءلة الدولية، بينما تكتفي الأمم المتحدة بتصريحات “قلقة” دون تحرك فعلي.
في ظل هذا الصمت، تواصل دارفور نزيفها، وتتحول الفاشر إلى رمزٍ لعار العالم المتواطئ مع جريمة تتغذى على أموال النفط الإماراتي وسكوت العواصم الغربية.
ويبقى السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني:
إلى متى سيظل الاغتصاب في دارفور سلاحًا مدفوع الأجر؟
اقرأ أيضًا : مجلس الدفاع السوداني يعلن التعبئة العامة لمواجهة “مليشيا بن زايد” في دارفور