منذ انفجرت فضيحة جيفري إبستين لأول مرة عام 2008 – حين أُدين بالاعتداء الجنسي على قاصرات – ثم تجددت بانتحاره المزعوم داخل سجنه في نيويورك عام 2019، لم تهدأ الأسئلة حول حجم شبكة الرجال الذين ارتبطوا به، سياسيًا وماليًا، ومن استفادوا من نفوذه أو توسطه أو خدماته. ومع نشر المزيد من الوثائق خلال العام 2025 ضمن تحقيقات لجنة الرقابة في مجلس النواب الأمريكي، بدأت تظهر أسماء جديدة خارج الدائرة الأمريكية والأوروبية المعتادة… من بينها أسماء إماراتية رفيعة.
لم يكن الأمر مجرد “ظهور عرضي” لاسم أو صورة؛ بل وثائق، مراسلات، وصور عُثر عليها في منازل إبستين أو في مراسلاته الخاصة. وهكذا طُرح السؤال: ما حدود النفوذ الذي كان يُمارسه داخل منطقة الخليج؟
سلطان بن سليم… رجل الموانئ الذي طرق باب إبستين بعد إدانته
كان أول اسم إماراتي يرد بوضوح في وثائق إبستين هو سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة “موانئ دبي العالمية”. ورغم أن الرجل من أبرز الشخصيات الاقتصادية في المنطقة، ومشروعاته تمتد من أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا، فإنّ اسمه ظهر في مكان لم يكن أحد يتوقعه.
في نوفمبر 2025، نشرت واشنطن بوست وأسوشييتد برس مقتطفات من رسائل إلكترونية حصلت عليها لجنة الرقابة في الكونغرس، وكانت هذه الرسائل بين إبستين وبين بن سليم نفسه. تكشف هذه المراسلات – المؤرخة بين 2011 و2018 – أن العلاقة بين الرجلين استمرت بعد إدانة إبستين عام 2008، خلافًا لرواية كثيرين بأن إبستين أصبح “منبوذًا” بعد محاكمته الأولى.
في مراسلة عام 2018 – كتب إبستين إلى بن سليم مادحًا ستيف بانون، كبير مستشاري ترامب سابقًا:
“لقد أصبحنا أصدقاء… وستعجب به”.
فجاء رد بن سليم مقتضبًا لكن لافتًا:
“ترامب لا يحبه”.
هذه الجملة كشفت أن إبستين كان يحاول أن يقدم نفسه وسيطًا بين شخصيات سياسية كبرى، وأن بن سليم كان جزءًا من هذه الدائرة.
وفي رسالة أخرى بتاريخ يونيو 2017 (وردت في الوثائق نفسها)، يسأل بن سليم إبستين بشكل مباشر:
“هل تعتقد أنه سيكون بالإمكان مصافحة ترامب؟”
فيرد إبستين:
“اتصل بي لنناقش الأمر.”
ربما لا تكشف هذه العبارة وحدها عن “جريمة” أو “تورط”، لكنها تكشف شيئًا أخطر: أن إبستين كان بالفعل يقدّم نفسه باعتباره بوابة يمكن من خلالها الدخول إلى الدائرة الضيقة حول الرئيس الأمريكي، وأن رجل أعمال بحجم بن سليم لم يجد حرجًا في طلب هذا النوع من “الخدمات”.
المراسلة الأكثر غرابة جاءت من رسالة بتاريخ سبتمبر 2011 بعنوان “Smart Shoes”. هذه الرسالة – التي لخصها صحفيون متخصصون في مراجعة الوثائق المُسرّبة – تضمنت اقتراحًا من بن سليم بتقنية أحذية ذكية مزودة بنظام GPS لتتبع الأطفال أو العملاء. وردّ إبستين عليها بقوله:
“شكرًا… فكرة رائعة.”
بالنظر إلى سجل إبستين الإجرامي، أصبح كل ما له علاقة بتكنولوجيا “التعقب” يحمل طابعًا مقلقًا لدى الرأي العام الأمريكي.
وفي عام 2018، وعبر تقرير نشره موقع The Cradle، قيل إن إبستين ساعد – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تسهيل صفقة تشغيل ميناء ويلمنغتون في ولاية ديلاوير لصالح شركة إماراتية ترتبط ببن سليم بعقد مدته خمسون عامًا
ورغم ذلك، لم تُوجَّه أي تهمة جنائية لبن سليم، ولم يصدر عنه تعليق رسمي ينفي أو يشرح طبيعة العلاقة.
لكن ظهوره في الوثائق جعل اسمه جزءًا من شبكة يصعب فصلها عن سمعة إبستين المثقوبة.
محمد بن زايد… صورة على جدار إبستين لا تزال بلا تفسير
كان وجود رجل أعمال إماراتي في مراسلات إبستين مفهومًا ضمن نشاطات الأعمال، لكنّ ظهور اسم محمد بن زايد آل نهيان – الحاكم الحالي لدولة الإمارات، لم يكن له ما يبرره.
في يوليو 2019، نشرت صحيفة New York Times تقريرًا عن زيارة الصحفي الأمريكي إدوارد جاي إبستين (لا تربطه صلة قرابة بجيفري إبستين) إلى منزل الأخير عام 2013، قال الصحفي إنه شاهد بنفسه صورًا مؤطرة لإبستين برفقة شخصيات نافذة، من بينهم “محمد بن زايد”
وقال إنهم ظهروا في الصور بملابس بحر ومعدات غوص، في لقاءات وصفها بأنها “غير رسمية”، وعندما سأل الصحفي جيفري إبستين عن طبيعة هذه العلاقات، أجابه الأخير: “هم عملاء لي في الشرق الأوسط”
هذا التصريح – يعكس أن إبستين لم يكن مجرد “داعية علاقات”؛ بل كان يقدم نفسه كوسيط مالي له نفوذ في الخليج، واللافت أن الحكومة الإماراتية لم تصدر أي تعليق لنفي أو تأكيد وجود علاقة أو لقاء، والتزام الصمت كان هو الرد الوحيد.
صحيح أنه لا يوجد في السجلات القضائية الأمريكية أي اتهام موجه لمحمد بن زايد في قضية إبستين، لكن مجرد وجود صورة له في منزل إبستين – كما أكدت Business Insider وNew York Times – فتح بابًا واسعًا أمام التساؤلات… تساؤلات لم تغلق حتى اليوم.
ومع جمع الخيوط التي ظهرت في الوثائق والتحقيقات خلال السنوات الأخيرة، يصبح المشهد أبعد بكثير من مجرد مراسلات عابرة أو صورة غامضة على جدار منزل في مانهاتن. فمن الواضح أن إبستين، رغم وصمة إدانته عام 2008، لم يُقصَ من دوائر النفوذ، بل حافظ على شبكة علاقات تمتد من وول ستريت إلى قصور الخليج. وربما كان الجزء الأكثر إثارة للقلق في هذا المشهد هو أن بعض هذه الخيوط وصلت إلى أبوظبي، وأن أسماءً إماراتية نافذة ظهرت في سياق لا يمكن التعامل معه بوصفه مصادفة صحفية.
فوجود مسؤولين بهذا المستوى إلى جوار رجل أُدين باستغلال قاصرات، ثم عُثر عليه ميتًا في زنزانته وسط شبهات لا تتوقف، لا يطرح سؤال “التورط” بقدر ما يطرح سؤال “الاقتراب”: ما الذي كان يفعله إبستين في محيط شخصيات من دول لا تُعرف بوجود منظومة قضائية مستقلة، ولا تسمح – بحكم طبيعتها – بفتح ملفات تتعلق بأصحاب المناصب العليا؟ وكيف يمكن قراءة ظهوره إلى جانب شخصية مثل محمد بن زايد، التي ارتبط اسمها خلال العقد الأخير بملفات دولية حساسة؛ من فضائح التجسس عبر برنامج بيغاسوس، إلى أدوار عسكرية عابرة للحدود في السودان واليمن وليبيا؟
هذه الأسئلة تتجاوز فضيحة رجل واحد؛ إنها أسئلة عن شبكات النفوذ وعن كيفية عمل السلطة في عالم الأسطح اللامعة والعلاقات غير المعلنة. فإبستين لم يكن مجرد شخص ثري له “أصدقاء”، بل كان عقدة وصل بين المال والسياسة والاستخبارات، ومعبرًا غير رسمي لشخصيات تبحث عن النفوذ في واشنطن أو لندن أو نيويورك.
وحتى الآن، لا توجد رواية نهائية، ولا إجابة قاطعة، ولا اعتراف رسمي من أي طرف. لكن ما أصبح مؤكدًا هو أن خيوط القضية لم تعد قابلة للطيّ بسهولة؛ وأن ظهور أسماء من وزن بن زايد أو بن سليم ضمنها جعلها أكبر من أن تُهمَل، وأعمق من أن تُختصر في هامش صغير داخل ملف قديم.