في تطور قضائي وسياسي يواصل إشعال الساحة التونسية، دانت حركة النهضة حكما جديدا بسجن رئيسها راشد الغنوشي لعامين، معتبرة أن القرار يأتي في إطار ما تصفه بـ”انتقام سياسي” ينتهجه الرئيس قيس سعيّد ضد خصومه، فيما تتزايد المخاوف من تصاعد المواجهة بين المعارضة والسلطة داخل المشهد السياسي المضطرب منذ يوليو/تموز 2021.

تبرع يتحول إلى قضية.. والغنوشي مرة أخرى أمام القضاء
الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في تونس أمس الجمعة يشمل إدانة الغنوشي في قضية مرتبطة بعمليات تدقيق طالت معاملات مالية لنواب البرلمان المنتخب عام 2019، وهو البرلمان الذي ترأسه الغنوشي قبل أن يتم حله بقرار من الرئيس قيس سعيّد بعد انقلابه على المؤسسات الدستورية في يوليو/تموز 2021.
وبحسب المعطيات الأولية، خضعت تحويلات مالية وتبرعات قديمة للتدقيق، من بينها تبرع الغنوشي بقيمة “جائزة غاندي للسلام” التي حصل عليها عام 2016 من مؤسسة جمنلال باجاج الهندية، حيث قرر التبرع بمبلغ يتجاوز 14 ألف دولار لصالح الهلال الأحمر التونسي.
ورغم أن التبرع تم في حفل رسمي حضره مسؤولون وجرى الإعلان عنه بشكل علني، تقول حركة النهضة إن السلطات “لم تجد ما يُجرّم هذا التبرع”، فلجأت إلى ادعاء خرق الإجراءات القانونية، بحجة أن ممثلي الهلال الأحمر تسلّموا الصك مباشرة دون المرور بالبنك المركزي. وتعتبر الحركة أن القضية مجرد “ذريعة” لاستهداف زعيمها ومحاصرته قضائيا.
ولم توضح وكالة الأنباء التونسية طبيعة التهم بدقة، مما فتح الباب أمام قراءات سياسية عديدة تربط الحكم بسياق أوسع من الضغوط التي يتعرض لها قادة المعارضة منذ 2021.
النهضة: الحكم سياسي.. واستهداف ممنهج للغنوشي
في بيانها، وصفت حركة النهضة الحكم بأنه “تصفية حسابات سياسية”، مؤكدة أن الغنوشي يتعرض لـ”استهداف متواصل” عبر قضايا متعددة ذات طابع سياسي، وأن الهدف هو “إسكات أبرز الأصوات المعارضة للمسار الانقلابي” الذي يقوده قيس سعيّد.
وطالبت الحركة بـ”رفع كل المظالم” عن رئيسها والإفراج عنه فورا، إلى جانب إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في البلاد. أما هيئة الدفاع عن الغنوشي، فأوضحت في بيان منفصل أن الجائزة التي حصل عليها رئيس الحركة كانت تكريما لدوره في نشر قيم التسامح والسلام، وأنه أعلن تبرعه بقيمتها بالكامل للهلال الأحمر دعما لعمله الإنساني.
وشددت الهيئة على أن القضية “مختلقة”، وأن الهدف منها هو إدراج الغنوشي في سلسلة من الأحكام التي تهدف إلى إقصائه نهائيا من المشهد السياسي.
الغنوشي خلف القضبان.. ملفات عديدة وحضور قضائي غائب
ومنذ مداهمة منزله واعتقاله في 17 أبريل/نيسان 2023، ظل الغنوشي خلف القضبان في قضايا متفرقة، أبرزها اتهامات بـ”التحريض على أمن الدولة”. كما صدرت بحقه أحكام عدة بالسجن، بينما يرفض المثول أمام القضاء، معتبرا أن المحاكمات “سياسية بامتياز” وأن “القضاء أصبح أداة لتصفية الخصوم”.
ويأتي الحكم الجديد ليضيف مزيدا من التعقيد إلى ملفه القضائي، في وقت تتصاعد فيه المطالب الدولية بالإفراج عن السياسيين المعتقلين، وسط انتقادات واسعة لتراجع الحريات في البلاد.
إضراب جوهر بن مبارك يزيد المشهد تعقيدا
وفي خضم الجدل حول الغنوشي، عاد ملف المعتقلين السياسيين إلى الواجهة بعد إعلان القيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك مواصلة إضرابه عن الطعام لليوم السابع عشر، احتجاجا على اعتقاله في قضية “التآمر على أمن الدولة”.
وقال بن مبارك في رسالة من محبسه إنه سيستمر في “النضال بجسده” حتى تحقيق مطالبه بالإفراج عنه وعن بقية الموقوفين. وشمل الإضراب التضامني معه قيادات بارزة، من بينهم راشد الغنوشي نفسه، وعصام الشابي، وعبد الحميد الجلاصي، ورضا بلحاج.
وحذرت عائلته ومحاميته من تدهور وضعه الصحي، مما يهدد بإشعال موجة جديدة من الاحتجاجات السياسية والحقوقية.
الرئيس سعيّد: القضاء مستقل.. والمعارضة تتهمه بالهيمنة
الرئيس التونسي قيس سعيّد يكرر باستمرار أن القضاء “مستقل ولا أحد يتدخل في عمله”، ويصف كل الاتهامات الموجهة إليه بأنها “افتراءات”. إلا أن المعارضة ترى العكس تماما، وتتهمه باستخدام القضاء كأداة لفرض السيطرة على الحياة السياسية، واتهام خصومه في قضايا أمن الدولة أو الفساد.
وتذكر أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس منذ 2021 – ومنها حل البرلمان، وحل المجلس الأعلى للقضاء، وتشريعات بالأوامر الرئاسية، ودستور جديد وانتخابات مبكرة – مهدت الطريق لإقصاء الأصوات المعارضة.
مشهد سياسي مأزوم.. ومستقبل غامض
يأتي الحكم ضد الغنوشي وإضراب بن مبارك وسط حالة من التوتر السياسي والمعيشي في تونس، حيث تتعمق الأزمة الاقتصادية ويزداد الاحتقان الاجتماعي، بينما تواجه المعارضة تضييقا متزايدا.
ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار “النهج العقابي” ضد المعارضين إلى مزيد من الانقسام وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى حوار سياسي شامل يخفف الاحتقان.
ومع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية، يبدو أن الملف القضائي للغنوشي سيظل أحد أبرز عناوين الصراع السياسي في تونس خلال المرحلة المقبلة، وسط تساؤلات عن مستقبل المعارضة وعن حدود القوة التي يمارسها الرئيس قيس سعيّد في إدارة المشهد.
اقرأ أيضًا : مستوطنون يحرقون مسجداً بالضفة وصمت محمود عباس.. اعتقالات واعتداءات تتصاعد ضد الفلسطينيين