في تحرك دبلوماسي غير مسبوق منذ اشتعال الحرب السودانية قبل عامين، وجّه سفير السودان لدى الاتحاد الأوروبي عبد الباقي كبير تحذيراً حاداً للعواصم الأوروبية، مؤكداً أن الأسلحة المصنَّعة في أوروبا باتت تُرى اليوم في ميادين القتال داخل السودان، وتحديداً في يد قوات الدعم السريع المدعومة — وفق تقارير أممية وغربية — من الإمارات.
دعوة الخرطوم جاءت عبر مقابلة موسعة مع موقع بوليتيكو، لتعيد فتح ملف “دور أبوظبي” في الحرب الأكثر دموية في أفريقيا حالياً، وتضع أوروبا أمام اختبار أخلاقي وسياسي حساس.

أسلحة أوروبية في حرب قذرة
وفي تصريحات لافتة، قال كبير إن على الاتحاد الأوروبي أن “يوازن بين اعتبارات الأخلاق والمصالح التجارية”، فدول أوروبية — خصوصاً بلغاريا — باعت أسلحة للإمارات انتهى بها الأمر إلى يد قوات الدعم السريع، رغم الحظر الأوروبي الصارم المفروض على تصدير السلاح إلى السودان منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وكشف تحقيق لفرانس24 في أبريل الماضي، أن ذخائر بلغارية الصنع وصلت إلى قوات الدعم السريع بعد مرورها عبر الإمارات، وهو ما أكدته أيضاً لجنة خبراء الأمم المتحدة التي فتحت تحقيقاً في دور أبوظبي بتزويد الميليشيا بالأسلحة. الإمارات بالطبع نفت الاتهامات، لكن الصور، وشهادات الشحن، ومسارات الإمداد عبر ليبيا وتشاد، تعزز شكوك الخرطوم وحلفائها الدوليين.
ويرى كبير أن “هذه الأسلحة لم تُصنع للاستخدام من طرف ثالث”، وأن استمرار تدفقها يضع الاتحاد الأوروبي في “وضع غير مريح للغاية”، لأنه يقوّض أي خطاب أوروبي حول قيم حقوق الإنسان وحظر تسليح منتهكيها، ويمنح الدعم السريع ميزة ميدانية تزيد من مآسي المدنيين.
اتهامات تتوسع: من الذخيرة البلغارية إلى المدرعات الفرنسية
التقارير لا تتوقف عند بلغاريا. لندن اعترفت هي الأخرى الشهر الماضي بأن معدات عسكرية بريطانية استُخدمت في السودان، بينما كشفت منظمة العفو الدولية عن تداول مركبات إماراتية الصنع مزوّدة بأنظمة عسكرية فرنسية من شركة Lacroix و KNDS France لدى مقاتلي الدعم السريع.
الشركة الفرنسية قالت إن الأنظمة الدفاعية التي زوّدت بها الإمارات “استخدامها يقتصر على الجيش الإماراتي”، وإن جميع الصادرات كانت مرخصة ومشفوعة بوثائق عدم إعادة التصدير (Non-Reexport Certificates). لكن الخرطوم ومنظمات حقوقية دولية تقول إن هذه الوثائق لم توقف تدفق السلاح إلى إحدى أكثر الحروب وحشية في إفريقيا.
وتشير تقارير رسمية إلى أن الإمارات طلبت أسلحة فرنسية بما يفوق 21 مليار يورو خلال العقد الأخير، ما يجعلها من أكبر زبائن الصناعات الدفاعية الأوروبية. هذا الحجم من الصفقات يزيد تعقيد الموقف الأوروبي، ويضع بروكسل بين ضغط “القيم” وضغط “الزبون الخليجي الأهم”.
الإمارات تنفي… والسودان يتهم
مسؤول إماراتي قال لبوليتيكو إن بلاده “ترفض بشدة” أي حديث عن دعم أحد طرفي الحرب، وتدين “فظائع الطرفين”. لكنه أضاف أنه “لا وجود لأي أدلة مؤكدة” على تورط الإمارات.
لكن الخرطوم ترى أن هذا النفي لم يعد مقنعاً. فمعارك الفاشر ونيالا والجزيرة، وتوسع الدعم السريع المدعوم مالياً وتسليحياً، تشي بشبكة إمداد إقليمية تتجاوز حدود السودان بكثير، ويمثل أحد أطرافها — وفق الخرطوم — أبوظبي. ومع اشتداد الضغط الدولي، باتت الإمارات تحاول تقديم نفسها كوسيط إنساني، بينما تؤكد تقارير غربية أن “المشكلة لا تزال قائمة”.
علاقات أوروبية–إماراتية دافئة… رغم الدم في دارفور
ورغم كل هذه الشبهات، لا تخفي أوروبا حرصها على العلاقة مع الإمارات. فقبل أسابيع فقط، زار رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أبوظبي، واصفاً الإمارات بأنها “شريك موثوق من أجل ازدهار واستقرار المنطقتين”. كما تستعد مفوضة البحر المتوسط دوبرافكا شويكا لجولة خليجية تشمل الإمارات الشهر المقبل.
كبير يرى أن هذا هو الوقت المناسب لبروكسل لاستخدام “ثقلها الدبلوماسي” لمطالبة الإمارات بوقف تزويد الدعم السريع بالسلاح. وقال إن انتشار الفوضى في السودان سيهدد المتوسط مباشرة: “ما يحدث في أفريقيا جنوب الصحراء ينتقل دائماً إلى شمالها… الهجرة، التهريب، وانهيار الأمن”.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فإن تحذير الخرطوم ليس مجرد صرخة سياسية، بل مؤشر على ما ينتظر أوروبا من تدفقات هجرة وانعدام استقرار إذا انهارت الدولة السودانية نهائياً.
موقف بروكسل: كلمات حادة… وأفعال محدودة
المتحدث الأوروبي للشؤون الخارجية أنوار الأنوني شدد على أن موقف الاتحاد “يفرض رفض أي صادرات قد تساهم في انتهاكات حقوق الإنسان”. لكنه وجّه أيضاً رسالة غير مباشرة للإمارات والدول الإقليمية قائلاً: “على جميع أطراف المنطقة التي تزود المتحاربين بالأسلحة والتمويل أن توقف دعمها فوراً”.
الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات العام الماضي على قيادات في الدعم السريع والجيش السوداني، إضافة إلى شركات مرتبطة بهم، وجدد الحظر على تصدير السلاح. لكنه — وفق الخرطوم — لم يضغط بما يكفي على الدول الوسيطة في حرب السودان، وفي مقدمتها الإمارات.
الخرطوم تطالب برفع العقوبات عن الجيش
وفي مفارقة بارزة، طالب كبير الاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عن القوات المسلحة السودانية “في أقرب وقت”، معتبراً أن العقوبات أضرت بالاقتصاد، وأن الجيش هو “المؤسسة الوحيدة القادرة حالياً على حماية وحدة السودان ومنع تمدد الفوضى”.
حديث كبير يكشف بوضوح: الخرطوم ترى أن المعركة الوجودية ضد الدعم السريع لن تُحسم إلا بوقف الإمداد العسكري القادم عبر أبوظبي، ورفع القيود التي تشل قدرات القوات المسلحة السودانية.
خلاصة تحليلية
دعوة السودان ليست مجرد احتجاج دبلوماسي، بل تحذير استراتيجي: استمرار تدفق السلاح عبر الإمارات سيحوّل السودان إلى ساحة حرب مستدامة، ويصدّر الفوضى إلى المتوسط وأوروبا. أما بروكسل، فستجد نفسها أمام سؤال وجودي:
هل تلتزم بقيمها وتوقف العلاقة العسكرية مع أبوظبي؟ أم تواصل شراكة تجارية مربحة تعيد تسليح واحدة من أعنف الميليشيات في إفريقيا؟
هذه اللحظة لن تبقى حيادية طويلاً… والسودان يدفع الثمن يومياً بالدم.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يستعد للمجازر من جديد.. زامير يلوّح بهجوم واسع و”الخط الأصفر“ يتحوّل إلى أداة تطويق وسيطرة