في واقعة تعكس أعمق درجات التدهور الحقوقي داخل الإمارات، توفى معتقل الرأي علي عبدالله الخاجة (59 عاماً)، داخل زنزانته في سجن الرزين يوم الأربعاء 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. 

الحدث لم يكن مجرد وفاة طبيعية كما تحاول السلطات الإيحاء، بل مؤشر صارخ على منظومة القمع المتجذرة في البلاد، وعلى السياسات الوحشية التي يتعرّض لها كل من يجرؤ على التعبير أو المعارضة السلمية.

وفاة تكشف واقعاً مظلماً داخل سجون الإمارات

السلطات الإماراتية تتحمل االمسؤولية الكاملة عن وفاة الخاجة، لكونه كان رهن احتجازها وتحت عهدتها المباشرة طوال سنوات سجنه. كما أن الوفاة ليست حادثاً منفصلاً، بل “دلالة خطيرة على تدهور أوضاع معتقلي الرأي وغياب الرقابة المستقلة”، وهو توصيف يعكس ما تردده منظمات دولية منذ سنوات حول التعامل القمعي داخل السجون الإماراتية، وخاصة سجن الرزين الذي بات معروفاً بأنه “غوانتنامو الإمارات”.

تبرز خطورة ما حدث في أن الخاجة كان مقبوضًا عليه منذ أكثر من 13 عاماً، رغم أن موعد الإفراج الرسمي عنه كان في 28 أغسطس 2022. غير أن السلطات قررت تمديد معاناته بعد انتهاء محكوميته، فأعادت محاكمته عام 2024 بموجب قوانين “مكافحة الإرهاب” التي تستخدم كغطاء لإطالة سجن المعارضين دون مبرر قانوني حقيقي.

ثانياً: مسار طويل من الانتهاكات… التعذيب، العزل، وغياب الشفافية

تكشف الشهادات الحقوقية أن الخاجة أمضى سنواته في ظروف قاسية داخل الرزين، كما قضى فترات أخرى في مراكز احتجاز سرية خلال التحقيق—أماكن لا تخضع لأي رقابة قضائية أو دولية. هذه المراكز، بحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش، تشتهر بغياب الشفافية واستخدام أساليب “كسر الإرادة”.

وتشير روايات معتقلين سابقين إلى تعرض الخاجة ورفاقه لأساليب متعددة من سوء المعاملة، أبرزها:

  • الحبس الانفرادي المطوّل لأشهر متواصلة، 
  • الضرب والإيذاء الجسدي، 
  • الحرمان من التهوية والضوء الطبيعي، 
  • التعذيب النفسي عبر الحرمان من النوم والتهديدات، 
  • منع الرعاية الصحية رغم تدهور الحالة الجسدية والنفسية. 

هذه الانتهاكات تراكمت وأدّت إلى تدهور حاد في صحة الخاجة خلال السنوات الأخيرة، من دون اتخاذ أي إجراءات طبية جدية لإنقاذه، وفق المصادر الحقوقية.

ثالثاً: حرمان إنساني إضافي… حتى وداع والده مُنِع منه

من أكثر التفاصيل قسوة، أن سلطات السجن لم تُخبر الخاجة بوفاة والده في 8 نوفمبر 2025 إلا بعد مرور أكثر من أسبوع على دفنه، ولم يُسمح له بالصلاة عليه أو المشاركة في العزاء أو حتى التواصل مع أسرته في لحظة إنسانية فارقة.

هذا السلوك، في المعايير الحقوقية الدولية، يعتبر انتهاكاً صارخاً لإنسانية المعتقل، ويؤكد وجود سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر السجناء نفسياً، وليس مجرد حرمان قانوني.

رابعاً: منظومة قمع لا تُحاسَب… وانهيار كامل للالتزامات الدولية

وفاة معتقل رأي بهذه الظروف، تثير “مخاوف جدّية بشأن مدى احترام الدولة بالتزاماتها الدولية المتعلقة بحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم”، فالإمارات طرف في اتفاقيات دولية تجبرها على ضمان سلامة المعتقلين، وتوفير الرعاية الطبية، ومنع التعذيب، والتحقيق في حالات الوفاة داخل السجون، غير أن الواقع يكشف عن منظومة مغلقة بالكامل تمنع الزيارات المستقلة للمقررين الأمميين، وترفض السماح لأي جهة خارجية بتقييم الوضع داخل الرزين.

وتُعد وفاة الخاجة امتداداً لحالات سابقة لسجناء سياسيين عانوا من الإهمال الطبي وسوء المعاملة، مما يجعل القضية جزءاً من نمط مستمر وليس استثناءً.

خامساً: مطالب عاجلة… وتحذير من تكرر المأساة

 

  1. فتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات وفاة الخاجة وتحديد المسؤوليات.
  2. ضمان حماية بقية معتقلي الرأي وتقديم رعاية صحية ونفسية فورية لهم. 
  3. إنهاء القيود على زيارات العائلات وتمكين الأسر من التواصل المنتظم مع أبنائها. 
  4. تحسين ظروف الاحتجاز لتتوافق مع المعايير الدولية. 
  5. الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي. 
  6. السماح للمقررين الأمميين بزيارة سجن الرزين والاطلاع المباشر على أوضاع السجناء. 

هذه المطالب تعكس إدراكاً متزايداً بأن الوضع داخل السجون بلغ مرحلة لا يمكن السكوت عنها أو تبريرها.

وفاة تحمل رسائل سياسية… ومأساة إنسانية

رحيل علي عبدالله الخاجة ليس مجرد حادث داخل السجن، با شهادة حية على سياسات القمع التي تمارسها الإمارات ضد المعارضين، وعلى الفجوة الهائلة بين الصورة اللامعة التي تروّجها الدولة عن نفسها -بوصفها “واحة تسامح”- والواقع المظلم داخل الزنازين.

إن وفاة رجل قضى أكثر من 13 عاماً خلف القضبان لمجرد آرائه، ومنعت عنه أبسط حقوق الإنسان، تكشف حجم الإجرام الممارس ضد سجناء الرأي في البلاد، وتدق ناقوس الخطر بشأن مصير عشرات آخرين ما زالوا قيد الاحتجاز.

رحم الله علي عبدالله الخاجة… ورحم كل صوت حُجِب خلف جدران الرزين.

اقرأ أيضًا : “حبيبي قاطع دبي”.. غضب رقمي عالمي يفضح تورّط بن زايد في مجازر السودان