تنظر محكمة في بريطانيا، اليوم الأربعاء، طعناً قضائياً ضد قرار وزارة الداخلية بحظر حركة “فلسطين أكشن” المناصرة للفلسطينيين، بعد أن صنّفتها الحكومة ضمن المنظمات “الإرهابية”، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية، وفتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود الاحتجاج، واستغلال قوانين مكافحة الإرهاب لخدمة أجندات مرتبطة بدعم الاحتلال الإسرائيلي.
ويُتوقّع أن يجادل محامو إحدى مؤسسات الحركة بأن قرار الحظر يمثل إساءة خطيرة لاستخدام التشريعات الخاصة بالأمن القومي، وأن تصنيف حركة احتجاجية غير مسلحة ضمن الفئة نفسها مع تنظيم الدولة والقاعدة يمثل انحرافاً سياسياً وقانونياً، ويعبّر عن اتجاه متزايد لـ”تجريم التضامن مع فلسطين” في بريطانيا.
وتم حظر الحركة في يوليو الماضي، ما جعل الانتماء إليها جريمة قد تصل عقوبتها إلى 14 عاماً من السجن، في واحدة من أشد الخطوات قسوة تجاه حركة احتجاج مدني في البلاد خلال العقود الأخيرة.

محاولات حكومية لعرقلة الطعن واتهامات بتكميم الاحتجاج
الحكومة البريطانية حاولت -الشهر الماضي- منع هدى عمّوري، إحدى مؤسسات الحركة، من التقدم بدعوى قضائية تطعن في قرار الحظر بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. لكن المحكمة رفضت طلب وزارة الداخلية، وسمحت بالمضي قدماً في الطعن، بل ومنحت القضاة عمّوري سببين إضافيين للطعن كان قد جرى رفضهما سابقاً.
وطلبت وزارة الداخلية من محكمة الاستئناف إلغاء الإذن الذي حصلت عليه عمّوري، مؤكدة أن الطعن يجب أن يُنظر فقط أمام لجنة الاستئناف الخاصة بالمنظمات المحظورة، والتي أنشأها البرلمان لهذا الغرض. إلا أن القاضية “سو كار” رفضت هذه الحجة، مؤكدة أن القضية يمكن أن تُحال إلى المحكمة العليا، وأن المراجعة القضائية تمثل “الطريق الأسرع والأكثر فعالية” للنظر في مدى مشروعية تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية.
المرافعات الحكومية اعتمدت على سردية أمنية تزعم أن الحركة تجاوزت “حدود الاحتجاج السلمي”، في إشارة إلى اقتحام أعضاء من “فلسطين أكشن” قاعدة “بريز نورتون” التابعة لسلاح الجو الملكي في يونيو الماضي، حيث تسببت العملية في إلحاق ضرر بطائرتين. لكن معارضي الحظر يؤكدون أن إلحاق الضرر بالممتلكات لا يرقى إلى مستوى الإرهاب، وأن ما تقوم به الحركة يدخل ضمن “العصيان المدني” المعتمد تاريخياً في بريطانيا، والذي استخدمته حركات البيئة والحقوق المدنية والنسوية من قبل.
كما يرفض الحقوقيون الربط بين نشاط الحركة وبين التهديد الأمني، معتبرين أن تصنيف الاحتجاج على جرائم الاحتلال كإرهاب يمثّل سابقة خطيرة قد تُستخدم ضد منظمات حقوقية أخرى، ويحوّل بريطانيا إلى بيئة تقنن القمع السياسي وتعيد إنتاج ممارسات “مكارثية” على الطريقة البريطانية.
دعم حكومي للاحتلال وتوظيف للقوانين لخدمة أجندة خارجية
أكثر ما يثير الجدل هو الربط المتزايد بين حظر الحركة وتصاعد الدعم الرسمي البريطاني للاحتلال الإسرائيلي خلال حرب غزة، حيث تقول منظمات حقوقية إن قرار الحظر جاء بعد اتساع مدى الاحتجاجات التي استهدفت شركات تصنيع الأسلحة المرتبطة بجرائم الاحتلال، وعلى رأسها مصانع الطائرات بدون طيار والمعدات المستخدمة في القصف الذي خلّف آلاف القتلى في القطاع.
ويشير محللون إلى أن بريطانيا سعت من خلال هذا الحظر إلى حماية الشركات المتورطة في تزويد الجيش الإسرائيلي بأنظمة قتالية، لاسيما بعد اتساع الدعاوى التي تتهم لندن بالتواطؤ في جرائم حرب، وبالسماح بتصدير مكونات عسكرية تُستخدم في قتل المدنيين.
وتأسست حركة “فلسطين أكشن” عام 2020، واكتسبت شهرة واسعة عبر عمليات “التحرك المباشر” التي استهدفت منشآت مرتبطة بصناعة السلاح الإسرائيلي، بما في ذلك إغلاق مداخل مصانع، وتحطيم نوافذ، ورش طلاء أحمر يرمز إلى الدم. ومع اندلاع حرب غزة، تصاعدت أنشطة الحركة واتسع حضورها الإعلامي والشعبي، ما أثار غضب لوبيات داعمة للاحتلال داخل بريطانيا.
ويقول معارضو قرار الحظر إن الحكومة تستخدم قوانين الإرهاب كغطاء لحماية الاحتلال، وأن تحويل النشطاء المناصرين لفلسطين إلى “إرهابيين” يمثل امتداداً لعقود من الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، لكن هذه المرة بوسائل قضائية وتشريعية تستهدف إسكات الشارع ومنع التضامن.
ويؤكد مراقبون أن ما يجري يكشف تحوّلاً خطيراً في تجريم التعاطف مع القضية الفلسطينية، ويعيد إلى الأذهان محاولات استهداف حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، وتجريم الشعارات المناهضة للإبادة في غزة، والتضييق على التظاهرات الداعمة للفلسطينيين.
ومع بدء المحكمة النظر في الطعن اليوم، تبدو المواجهة مفتوحة بين حركة احتجاجية تتصاعد شعبيتها وبين حكومة متهمة بحماية جرائم الاحتلال، في معركة لا تتعلق فقط بحرية التعبير، بل بهوية بريطانيا القانونية والأخلاقية… وهل ستبقى دولة تحمي الحق في الاحتجاج؟ أم ستواصل السير نحو تجريم كل صوت يفضح الدم الذي يسفكه الاحتلال بدعم غربي؟
اقرأ أيضًا : نشطاء بريطانيون يتحدّون الاعتقال دعما لـ”فلسطين أكشن”.. مواجهة مفتوحة مع حكومة تُتهم بالتواطؤ