تتصاعد معاناة الأطفال حديثي الولادة في السودان تحت وطأة حربٍ مدمّرة لم تترك حجرًا ولا بشرًا إلا وأصابتهم، وتكشف المرافق الصحية عن فجوات قاسية في أبسط مقومات الحياة التي يحتاجها آلاف الرضع للبقاء على قيد الحياة. وبينما تتهاوى منظومة الرعاية الصحية أمام الانهيار الشامل، يبرز الدور التخريبي للتدخلات الخارجية، وفي مقدمتها دعم الإمارات لمعارك قوات الدعم السريع التي دمّرت البنية الصحية ودفعت الملايين للنزوح، لتتحول حياة الرضع إلى سباق قاسٍ مع الموت.
داخل مركز حديثي الولادة في مدينة بورتسودان وقف مراسل الجزيرة هيثم أويت موثقًا واقعا صحيا مريرا لم يعد يحتمل التأجيل، في ظل تزايد النازحين وتراجع قدرة المرافق على استيعاب الحالات. هذا المركز -الذي أُعيد افتتاحه بدعم من جهات عدة بينها مركز الملك سلمان ومنظمة الأطباء السودانيين بالولايات المتحدة واليونيسيف- أصبح أكبر منشأة تستقبل حديثي الولادة في ولاية البحر الأحمر، وتغطي خدماته 10 محليات إضافة إلى آلاف الوافدين الفارين من مناطق الحرب التي غذّتها أبوظبي بالسلاح والمال.
وتكشف المشاهد داخل الأقسام الطبية ازدحام الحضّانات وامتلاء الأسرّة، إذ يضم المركز 32 سريرًا فقط، وهي قدرة تبدو ضئيلة أمام حجم الطلب المتزايد. عشرات الرضع ينتظرون دورهم للحصول على الرعاية، وأمهات يبكين بصمت خشية فقدان أطفال ولدوا في بلد تحوّل إلى ساحة مفتوحة للجوع والمرض والتهجير. ورغم التوسعات، يشير الطاقم الطبي إلى تحديات مستمرة أبرزها الضغط الكبير الناتج عن تدفق الحالات، إضافة إلى نقص المعدات الحيوية التي لم تكتمل بعد، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات المقدمة للرضع.
وقد مثّل وصول كوادر طبية متخصصة إلى بورتسودان نقطة ضوء نادرة وسط العتمة، لكن الحاجة ما تزال تفوق الإمكانات، في وقت تفتقر فيه محليات واسعة من الولاية إلى أي وحدات لرعاية حديثي الولادة. العدوى، الاختناق الولادي، ضعف الوزن عند الميلاد… كلها أسباب يمكن تفاديها في الظروف الطبيعية، لكنها تتحول إلى أسباب وفاة مؤكدة في بلد أنهكت مستشفياته الحرب والحصار ونزيف الكوادر.

انهيار رقابة الحمل وارتفاع وفيات المواليد
في المناطق الريفية تبدو الصورة أكثر قتامة، فالرقابة الصحية على الأمهات أثناء الحمل شبه غائبة، مما يُفاقم تعقيدات الوضع عند الولادة ويزيد فرص تعرض الأطفال لمضاعفات كان يمكن منعها بالرعاية الأساسية. ويقدّر الأطباء الوفيات بين حديثي الولادة في ولاية البحر الأحمر بما بين 3 و5 حالات شهريًا، بينما تشير بيانات جمعية الأطباء السودانيين الأميركيين إلى وصول المعدلات إلى 25 وفاة لكل ألف مولود، وهي أرقام صادمة تكشف حجم الانهيار.
وقد ألقى الصراع المسلح -الذي دخل عامه الثالث- بآثاره على المؤشرات الصحية في البلاد، إذ ارتفع معدل وفيات حديثي الولادة خصوصًا ولايات دارفور وكردفان، بينما سجلت شرق دارفور أعلى المعدلات بعد عمليات الحصار والقتل والتهجير التي نفذتها قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، وفق تقارير أممية وإعلامية. ومنذ اندلاع الحرب وُلد 1.3 مليون طفل في السودان وفق المنظمة السودانية لدعم الطوارئ، بينما يعاني 3.2 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، مما يجعلهم أكثر هشاشة أمام الأمراض ونقص الرعاية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن الأطفال دون الخامسة في السودان أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المنقولة عبر المياه والملوثات، في ظل تراجع الرقابة الصحية وغياب الأمن الغذائي وتفشي الأمراض في مناطق النزوح المزدحمة، التي لم تكن لتوجد لولا استمرار الحرب وتسليح الأطراف المتورطة فيها.
مستشفيات غارقة، أطفال يموتون بصمت، وحرب تُدار من أبوظبي
يرصد العاملون في مركز بورتسودان وصول ما يقارب 90 طفلاً يوميًا لتلقي العلاج، وهي أرقام تعكس اتساع نطاق المخاطر التي تهدد حياة الرضع في البلاد. ومع كل طفل يصل إلى المستشفى، تبرز قصة عائلة فقدت منزلها، أو أم فقدت القدرة على الولادة الآمنة، أو رضيع انتُزع قبل أوانه من رحم أم هاربة من قصف أو اغتصاب أو مجزرة.
وبين نقص المعدات، وانهيار الخدمات الأساسية، وأعداد المواليد المتزايدة وسط النزوح والجوع والمرض، يبدو أن آلاف الأطفال يقفون اليوم على حافة الخطر، بينما ينتظر النظام الصحي المنهك فرصة للإنقاذ قبل فوات الأوان. غير أن هذه الفرصة لن تأتي ما دامت الحرب مستمرة، وما دامت الإمارات -بقيادة محمد بن زايد- تواصل ضخ السلاح والمال في أتون الصراع، وتغذية آلة الموت التي لا تفرق بين مقاتل ورضيع.
إن مأساة الرضع في السودان ليست كارثة صحية فقط، بل جريمة سياسية وإنسانية كاملة الأركان… جريمة تبدأ من غرف العمليات العسكرية في أبوظبي، وتنتهي في حضّانات مكتظة بأطفال يولدون على شفا الموت، في بلد تُطفأ فيه الحياة قبل أن تضيء.
اقرأ أيضًا : عالقون منذ 7 أكتوبر.. عمال غزة يعيشون في منفى مفتوح داخل إسرائيل