تتواصل معاناة مئات العمال الفلسطينيين من قطاع غزة الذين وجدوا أنفسهم عالقين داخل الأراضي المحتلة أو في الضفة الغربية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بعدما تحولت تصاريح العمل التي كانوا يدخلون بها إلى إسرائيل إلى عبء يطاردهم ويحوّلهم إلى أهداف أمنية في نظر الاحتلال. هؤلاء الذين كانوا يسعون لتحصيل لقمة العيش في مواقع البناء والزراعة، استيقظوا على حرب غيرت حياتهم بالكامل، بعدما بدأت إسرائيل حملة اعتقالات واسعة بحق الفلسطينيين من غزة داخل مدن الداخل المحتل، وقطعت الاتصال بينهم وبين عائلاتهم التي تواجه القصف والجوع في القطاع. تقرير صحيفة الغارديان البريطانية يكشف تفاصيل هذه المأساة الممتدة منذ أكثر من عام، حيث يعيش هؤلاء العمال حالة من المنفى القسري، محاصرين بين الذاكرة والخوف وفقدان القدرة على العودة. وفق التقرير، كان أكثر من 18,500 فلسطيني من غزة يحملون تصاريح دخول للعمل داخل إسرائيل قبل السابع من أكتوبر، لكن بعد ساعات قليلة من الهجوم بدأت القوات الإسرائيلية في ملاحقتهم واعتقالهم وإلغاء تصاريحهم بشكل جماعي، في مشهد يعكس سياسة العقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال بحق المدنيين. الآلاف اعتُقلوا ورُحّل بعضهم قسرًا إلى غزة رغم القصف والحصار، بينما تمكن آخرون من الفرار إلى الضفة الغربية عبر مناطق مثل برطعة التي يستخدمها الفلسطينيون منذ سنوات للمرور بعيدًا عن المعابر الرسمية. كثير من هؤلاء انتهى بهم المطاف في الملعب البلدي في نابلس الذي تحول إلى مخيم مؤقت عاش فيه ما يقرب من ألف فلسطيني في الأشهر الأولى من الحرب قبل أن تتناقص الأعداد بسبب اعتقالات جديدة داخل الضفة نفسها، بينما لا يعرف مصير من جرى اقتيادهم من المكان. اليوم لا يزال نحو خمسين من هؤلاء يعيشون في غرف متهالكة كانت تستخدم سابقًا لتبديل الملابس، ينامون على أرائك بالية وتحت حرارة تتجاوز الأربعين، بينما تُعلّق ملابسهم على الأسوار في مشهد يعكس ذل الغربة والانتظار. وزارة العمل التابعة للسلطة تمنحهم 700 شيكل كل شهرين أو ثلاثة أشهر يرسلونها إلى عائلاتهم في غزة لكن نصفها يضيع بسبب العمولات، فيما يحاول بعضهم العثور على عمل يومي بأجور لا تكفي للطعام. بكر نجار، أحد العالقين، يقول إنه فقد أكثر من مائة شخص من أقاربه وأصدقائه منذ بدء الحرب، بينما تعيش زوجته وطفلاه في خيمة في مخيم المواصي بين خان يونس ورفح بلا حماية ولا مأوى.

عائلات مفككة وآباء يموتون من الصدمة
يروي ماهر قديح، 53 عامًا، أنه كان يعمل جنوب تل أبيب قبل الحرب ويملك سبعة أطفال، ويقول إن رجلًا كان يعيش معهم في الملعب تلقى خبر مقتل ابنه فأصيب بنوبة قلبية وتوفي في اليوم نفسه. مدير جمعية أنصار الإنسان في نابلس يروي قصة رجل كتب أسماء أطفاله الثمانية على الجدار بجانب فراشه، ثم شطب أربعة منهم بعد أن قُتلوا واحدًا تلو الآخر في غزة. هذه الشهادات تكشف كيف يمتد تأثير الحرب إلى من هم خارج القطاع، حيث يتحول كل اتصال هاتفي وكل خبر إلى سكين يقطع ما تبقى من قدرة نفسية. النساء أيضًا جزء من المأساة، إذ تشير الصحيفة إلى وجود سبع نساء من غزة في نابلس، بعضهن مريضات بالسرطان أو أمهات لأطفال كانوا يتلقون العلاج قبل الحرب. الاحتلال حاول إجبار المستشفيات على تسليم قوائم المرضى لإعادتهم إلى غزة رغم المخاطر الطبية، قبل أن يمنع القضاء ذلك، لكن بعدها كان الأوان قد فات، إذ إن خمسة أطفال كانوا يتلقون علاج السرطان في مستشفى بالقدس في آذار/ مارس الماضي أصبحوا اليوم جميعهم في عداد الموتى. هذه الوقائع تكشف أن الاحتلال لا يكتفي بالحصار والقصف، بل يسعى لقطع العلاج عن المدنيين وتحويل المرض إلى حكم بالإعدام.
أرقام صادمة ومستقبل مفقود
تشير تقارير الهلال الأحمر القطري ووكالة الأونروا إلى أن أكثر من 4400 عامل من غزة عالقون في الضفة الغربية حتى الآن، يعيشون بلا حقوق وبلا حماية وبلا أفق. خالد، 51 عامًا من حي التفاح، فقد اثنين من أبنائه في غارة إسرائيلية، ويقول إنه لا يريد سوى احتضان أطفاله الثلاثة الباقين على قيد الحياة. بينما آخرون فقدوا حتى الرغبة في العودة، مثل سمير حجاج أبو صلاح من خان يونس الذي يقول إنه لم يعد يرى مستقبلًا في غزة بعد أن تحولت إلى ركام، ويخطط للبدء من جديد بعيدًا عن مسقط رأسه. هذه القصص تكشف جانبًا خفيًا من الحرب، حيث لا يقتصر استهداف الاحتلال على القصف والقتل والدمار داخل غزة، بل يمتد إلى تفكيك الأسر وتشتيت العائلات ودفع الفلسطيني إلى الاختيار بين الفقر أو المنفى أو الموت. إنها صورة أخرى لجريمة الاحتلال، جريمة طاردة وصامتة ومستمرة، تجعل الفلسطيني يعيش الغربة حتى وهو على بعد كيلومترات من بيته الذي لم يعد موجودًا، وتحوّل المنفى إلى امتداد آخر للاحتلال لكن بدون دبابات أو طائرات، بل بصمت يقتل ببطء.
اقرأ أيضًا : نشطاء بريطانيون يتحدّون الاعتقال دعما لـ”فلسطين أكشن”.. مواجهة مفتوحة مع حكومة تُتهم بالتواطؤ