تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بلا توقف، في ظل غياب أي دور فعّال للوسطاء الإقليميين والدوليين لكبح الانتهاكات المتصاعدة ضد المدنيين. 

فجر الخميس، شنّ جيش الاحتلال سلسلة غارات جوية وعمليات نسف لمبانٍ سكنية في مناطق شرقي غزة، إلى جانب ضربات مماثلة في رفح وخانيونس جنوبي القطاع، في تصعيد يفاقم الوضع الإنساني ويعمّق حالة الدمار التي يعيشها القطاع منذ شهور.

غارات مكثفة على حي التفاح.. والقصف يهز المدينة

بحسب مصادر محلية وشهود عيان لوكالة “الأناضول”، نفذت مقاتلات الاحتلال عدة غارات عنيفة على حي التفاح شرقي مدينة غزة، مستهدفة مربعات سكنية قريبة من المناطق التي يسيطر عليها الجيش منذ أسابيع. وأفاد الشهود بأن سلسلة انفجارات متتالية ضربت الحيّ، تزامنت مع عمليات نسف منظمة لمبانٍ بالكامل، كانت أصواتها تُسمع على مسافات بعيدة في أنحاء المدينة.

وأكد السكان أن المنطقة باتت تتحول تدريجيا إلى “مساحات مدمرة بالكامل”، إذ يعمد الجيش الإسرائيلي إلى تفجير المباني بعد تفريغها أو بعد القصف الأولي، في سياسة تُعرف لدى الفلسطينيين بـ”التسوية على الأرض”، وهي عمليات تدمير شاملة تستهدف تغيير معالم الأحياء السكنية دون مبرر عسكري واضح، ودون السماح للمدنيين بالعودة لتفقد منازلهم.

ورغم قرار المحكمة الإسرائيلية العليا قبل أشهر بضرورة ضمان الحد الأدنى من الحماية الإنسانية في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، فإن العمليات الميدانية تُظهر استمرار الاحتلال في اعتماد القوة المفرطة، مع استخدام الذخائر الثقيلة داخل الكتل السكنية المأهولة سابقًا.

خانيونس وبني سهيلا.. تدمير متواصل بلا توقف

وفي محافظة خانيونس، واصل الجيش الإسرائيلي نهجه التدميري نفسه، إذ شنّ غارات جوية وعمليات نسف لمبانٍ في بلدة بني سهيلا شرقي المدينة. وأكد شهود عيان أن الانفجارات العنيفة تسببت في تصاعد أعمدة الدخان بشكل كثيف، بينما شوهدت جرافات عسكرية إسرائيلية تقترب من المناطق المستهدفة، في إشارة إلى نية توسيع عمليات الهدم.

وتُعد بني سهيلا إحدى البلدات التي تعرّضت لتدمير واسع النطاق خلال الأشهر الماضية، ومع ذلك لا تزال قوات الاحتلال تعود إليها بين الحين والآخر لتنفيذ عمليات نسف جديدة، في وقت يمنع فيه السكان من الوصول لمنازلهم أو إنقاذ ما تبقى منها.

وفي رفح، تكررت المشاهد نفسها، حيث نفذت القوات الإسرائيلية غارات جوية على مناطق شرقية من المحافظة، مترافقة مع عمليات تفجير واسعة لمبانٍ سكنية. ورغم أن الاحتلال يروّج ادعاءات مرتبطة بالبحث عن “أنفاق” أو “بنى عسكرية”، فإن منظمات حقوقية فلسطينية ودولية أكدت مرارًا أن غالبية المناطق المستهدفة تخلو من أي وجود قتالي، وأن ما يجري هو سياسة “تجريف حضري” تستهدف محو الأحياء وإجبار سكانها على عدم العودة.

إطلاق نار مكثف وقصف يومي.. والمناطق محاصرة بالكامل

وتشهد المناطق التي استهدفتها الغارات، خاصة شرقي غزة وخانيونس ورفح، إطلاق نار مكثف من الطيران المروحي والآليات الإسرائيلية المنتشرة في محيطها، ما يجعل الوصول إليها مستحيلا بالنسبة للسكان ولفرق الإسعاف الفلسطينية.

هذه المناطق تُصنّف منذ أسابيع “مناطق عمليات مغلقة”، يمنع الفلسطينيون من دخولها تمامًا، ويُستهدف أي تحرك مدني فيها بإطلاق النار المباشر. ويقول السكان إن الاحتلال يعتمد نمطًا ثابتًا يقوم على: قصف أولي، تدمير لاحق، منع وصول المدنيين، ثم العودة بعد أيام أو أسابيع لإعادة تدمير ما تبقى.

ويشير مراقبون إلى أن هذا السلوك يعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى خلق “أحزمة أمنية” فارغة، وتوسيع خطوط السيطرة العسكرية جنوبًا وشرقًا، في ظل غياب أي التزامات حقيقية بالاتفاقات الإنسانية أو وقف إطلاق النار الذي جرى تمديده مؤخرًا شكليًا دون أي أثر على الأرض.

انتهاكات بلا رادع.. ووسطاء غائبون عن المشهد

اللافت في المشهد الميداني أن هذا التصعيد يتزامن مع غياب شبه كامل لأي دور للوسطاء الدوليين—سواء الولايات المتحدة، أو مصر، أو قطر—الذين اكتفوا خلال الأسابيع الماضية بتصريحات مطاطة حول “ضرورة ضبط النفس” و”التزام خطوط التفاوض”، دون اتخاذ أي خطوة عملية لوقف عمليات الهدم والقصف المستمر.

ويرى محللون أن غياب الضغط الفعلي على إسرائيل شجّعها على توسيع نطاق الانتهاكات، خصوصًا في المناطق التي أعلنتها مناطق عمليات خاضعة لسيطرتها. كما تحذر منظمات حقوقية من أن عمليات النسف المتكررة قد تشكل جرائم حرب واضحة، كونها تستهدف بنى مدنية بالكامل، وتتم في غياب أي تهديد عسكري مباشر.

وبينما يستمر الوسطاء في الحديث عن “حلول سياسية قيد البحث”، يستمر الاحتلال في فرض وقائع ميدانية جديدة عبر تدمير أحياء بكاملها، ما يجعل أي تفاوض لاحق بشأن عودة السكان أو فتح الممرات الإنسانية أكثر صعوبة.

خاتمة

تواصل إسرائيل سياستها القائمة على القصف والنسف وإطلاق النار المكثف، مستهدفة المناطق السكنية في غزة وخانيونس ورفح، بينما يغيب الوسطاء الدوليون عن ممارسة أي ضغط حقيقي لوقف هذه الانتهاكات. ومع كل يوم جديد من عمليات الهدم، يتسع حجم الدمار وتتعمق الأزمة الإنسانية، تاركة مئات آلاف العائلات دون مأوى أو حماية، في مشهد يكرّس أن الاحتلال يمضي في استراتيجيته التدميرية بلا رادع، مستفيدًا من صمت العالم وعجزه عن التدخل.

اقرأ أيضًا : من الإغاثة إلى الموت.. مؤسسة تحاصر الجائعين بالرصاص وترحل وسط مطالب بالمحاسبة