تشهد الضفة الغربية خلال الساعات الأخيرة واحدة من أعنف موجات التصعيد التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات، في مشهد يجمع بين الحصار الشامل والقصف الجوي والاغتيالات الميدانية. ما حدث في طوباس ورام الله والخليل لم يكن مجرد “عملية أمنية”، بل حلقة جديدة في مسلسل إجرام الاحتلال الذي يستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني وتركيعه بالقوة. التطورات التي توالت بسرعة ترسم صورة قاتمة لوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، في ظل صمت دولي يرقى إلى مستوى المشاركة في الجريمة.

حصار خانق يقطع أوصال الضفة ويحوّل المدن إلى جزر معزولة
منذ فجر اليوم، فرض الاحتلال طوقاً عسكرياً محكماً على شمال وغرب رام الله وطوباس، عبر إغلاق الطرق الرئيسية والفرعية ونصب عشرات الحواجز. آلاف الفلسطينيين تقطّعت بهم السبل عند البوابات الحديدية، وعشرات السيارات احتجزها الجنود لساعات طويلة تحت التفتيش والإذلال. الحصار لم يكن مجرد إجراء عابر، بل خطة متعمدة لخنق الحياة اليومية: منع حركة الطلاب، عرقلة عمل الطواقم الطبية، وإجبار المدنيين على اتخاذ طرق ترابية خطرة للوصول إلى قراهم.
في محيط طوباس، بدأ المشهد يأخذ منحى أشد قسوة. فقد انتشرت القوات الإسرائيلية في المناطق المرتفعة، وبدأت بفرض حصار داخلي على الأحياء، وسط إطلاق نار متقطع وأوامر لسكان بعض المناطق بالبقاء داخل منازلهم. وبمجرد بدء المداهمات، توسعت عمليات التفتيش لتشمل منازل عشرات العائلات، مع تحويل عدد من المنازل إلى نقاط مراقبة.
قصف بالمروحيات: سابقة خطيرة تكشف حجم التصعيد
الأكثر خطورة أن الاحتلال لجأ مجدداً لاستخدام المروحيات العسكرية في قصف محيط طوباس وقباطية، في مشهد لم يعتده سكان الضفة إلا في عمليات استثنائية. صوت المروحيات الذي دوّى فوق أسطح المنازل أعاد إلى الأذهان مشاهد اجتياحات واسعة شهدتها المدن الفلسطينية خلال الانتفاضة الثانية، حين تحوّل الجو إلى مسرح لاستهداف المدنيين والمنازل.
القصف الجوي لم يكن مجرد إطلاق نار تحذيري، بل استهداف مباشر لمناطق مأهولة بالسكان، ما أثار حالة رعب شديدة بين الأطفال والنساء، خاصة مع اهتزاز المنازل ونشوب حرائق صغيرة في الحقول المحيطة. هذا الاستخدام المتصاعد للقوة الجوية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من القمع الممنهج، حيث لم يعد الاحتلال يكتفي بالمدرعات والقوات الخاصة، بل بات يستخدم كل أدواته العسكرية لإرهاب المدنيين.
الاغتيالات في رام الله والخليل: رصاص بلا محاكمة
لم يكن المشهد في رام الله أقل رعباً. فقد نفذ الاحتلال عملية اغتيال ميدانية بحق شاب بزعم تنفيذ عملية طعن، وسط إطلاق نار كثيف، قبل أن يمنع سيارات الإسعاف من الوصول إليه لفترة طويلة. ووفق شهود عيان، ترك الجثمان ينزف قبل أن يُسحب بالقوة، في مشهد يلخص فلسفة الاحتلال: الإعدام قبل التحقيق.
وفي الخليل، تكرر السيناريو بطريقة أكثر عنفاً. القوات الإسرائيلية طاردت شاباً تتهمه بمحاولة دهس، قبل أن تطلق عليه النار بشكل مباشر، ثم تقتحم المستشفى وتحتجزه وهو ينزف، لينتهي الأمر بإعلان استشهاده لاحقاً. وما يثير الغضب أن الاحتلال لم يكتف باغتياله، بل اعتقل أشقاءه وهدد العائلة بمنع فتح بيت عزاء، في محاولة لكسر البنية الاجتماعية الفلسطينية عبر العقاب الجماعي.
تفجير منازل واقتحامات موسّعة
امتدّ الإجرام ليشمل تفجير منازل فلسطينية في طوباس وبيت لحم، وسط انتشار قوات هندسية قامت بتفخيخ شقق سكنية بزعم أنها تعود “لمطلوبين”. أصوات الانفجارات هزّت الأحياء، بينما تصاعدت أعمدة الدخان من المنازل التي تحولت إلى ركام، تاركة العائلات بلا مأوى.
كما نفّذت قوات الاحتلال سلسلة اقتحامات في نابلس وبيت لحم والقدس، تخللها اعتقالات عديدة ومصادرة أموال ومحتويات من منازل مواطنين، ضمن سياسة منهجية تستهدف إفقار الفلسطينيين وتدمير مصادر رزقهم.
سياسة الأرض المحروقة في مواجهة مجتمع أعزل
تُظهر الأحداث المتلاحقة في الضفة أن الاحتلال لا يتعامل مع السكان باعتبارهم مدنيين، بل كأهداف يجب إخضاعها بالقوة. الحصار، القصف الجوي، الإعدامات الميدانية، هدم المنازل، الاعتقالات العشوائية — كلها أدوات تستخدمها إسرائيل في سياسة واحدة: تحطيم الإرادة الفلسطينية.
يرى مراقبون أن توسيع استخدام المروحيات والقصف الجوي داخل الضفة يشير إلى انتقال الاحتلال إلى مرحلة جديدة من العدوان، تهدف إلى خلق “واقع أمني جديد” يقوم على الردع بالصدمة والرعب. ولعل الأخطر هو أن هذا التصعيد يجري مترافقاً مع طفرة غير مسبوقة في عمليات الاغتيال، في ظل غياب أي مساءلة دولية.
خلاصة
الضفة الغربية اليوم تحت نار الإجرام الإسرائيلي: حصار يخنق المدن، قصف جوي يرهب السكان، واغتيالات تنفَّذ بدم بارد في الشوارع والمستشفيات. ما يجري ليس “أحداثاً أمنية” كما يدّعي الاحتلال، بل سياسة عقاب جماعي تهدف إلى كسر الشعب الفلسطيني ودفعه نحو الاستسلام. ومع استمرار الصمت الدولي، يبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة آلة عسكرية لا تعرف سوى لغة البطش.
اقرأ أيضًا : الجيش يصدّ هجومًا عنيفًا على بابنوسة من قبل ميليشيا الإمارات