في خطوة وُصفت بأنها الأكثر عدوانية تجاه الحركات المتضامنة مع فلسطين، أعلنت الحكومة البريطانية حظر حركة “Palestine Action” وتصنيفها كمنظمة “إرهابية”، رغم أن نشاطها طوال السنوات الماضية لم يتجاوز نطاق العصيان المدني والاحتجاج السلمي ضد تورّط الشركات البريطانية في تسليح إسرائيل. 

القرار لم يكن أمنيًا بقدر ما كان سياسيًا، ويكشف إلى أي مدى باتت لندن منحازة للاحتلال، ومستعدة لاستخدام أقسى أدوات الترهيب القانوني لإسكات كل صوت يدافع عن الفلسطينيين.

من حركة احتجاجية إلى “خطر إرهابي”.. كيف تصنع بريطانيا الرواية؟

منذ تأسيسها، ركّزت الحركة على استهداف مصانع السلاح التي تزود الجيش الإسرائيلي بالتقنيات المستخدمة في قتل المدنيين. اقتحمت مقرات شركات، عطّلت خطوط إنتاج، وكسرت نوافذ مؤسسات تشارك في تصنيع أدوات الحرب على غزة والضفة. ورغم أن نشاطها كان موجّهًا ضد البنية التحتية للصناعات العسكرية وليس ضد أفراد، فإن الحكومة اختارت تحويل هذه الأفعال إلى “تهديد إرهابي”، متجاهلة أنها في الأصل شكل من أشكال الاحتجاج السياسي الذي يُمارَس في دول أوروبية كثيرة تحت عنوان العصيان المدني.

بريطانيا لم تُرد مواجهة الأسئلة الحقيقية التي أثارتها الحركة: لماذا تدعم لندن شركات تتربّح من قصف المدنيين الفلسطينيين؟ ولماذا يُسمح لتجار الأسلحة بالعمل دون رقابة؟ الحل كان أسهل بالنسبة للحكومة: تصنيف الحركة إرهابية، وإغلاق النقاش بالكامل.

انحياز فاضح للاحتلال.. والقانون أداة للقمع

قرار الحظر لا يمكن النظر إليه بمعزل عن سياق سياسي متصاعد في أوروبا يهدف إلى تجريم التضامن مع فلسطين، لكن بريطانيا ذهبت خطوة أبعد. فهي لم تكتفِ بالتحريض الخطابي أو التضييق على التظاهرات، بل استخدمت قوانين الإرهاب نفسها التي وُضعت لمواجهة الجماعات المسلحة، لتطبّقها على ناشطين يرفعون لافتات، ويقفون أمام المصانع، ويكشفون تورّط الحكومة في دعم الاحتلال.

بهذا المعنى، باتت بريطانيا تقول علنًا: الدفاع عن الفلسطينيين جريمة، ومعارضة الاحتلال إرهاب. وهذا الانحياز لم يعد مجرد تصور سياسي، بل سياسة رسمية تُكتب في نصوص قانونية ستُستخدم لاحقًا لملاحقة أي شخص يشارك في نشاط تضامني أو ينتقد العلاقات العسكرية مع إسرائيل.

الحكومة البريطانية تخاف من الحقيقة لا من النشطاء

رغم الإخراج الأمني للقرار، فإن الحقيقة أن الحكومة لا تخشى من عشرة أو مئة ناشط، بل تخشى من تأثيرهم المتصاعد في الرأي العام. خلال السنوات الماضية، نجحت الحركة في تحقيق ما عجزت عنه منظمات دولية كبيرة: فضحت أسماء الشركات التي تصدّر الأسلحة لإسرائيل، وثبّتت رواية تربط بريطانيا بشكل مباشر بالجرائم المرتكبة في غزة والضفة. هذه ليست “نشاطات تطرف” كما يروّج المسؤولون، بل كشف لحقائق محرجة تفضّل لندن إخفاءها.

لذلك، جاء القرار ليحمي الحكومة من الضغط الأخلاقي والشعبي، ويحمي الشركات المتورطة من فقدان رخصها أو تعرضها لملاحقة قانونية مستقبلًا. ما قامت به بريطانيا ليس حماية للأمن القومي، بل حماية لصناعات الموت التي تتغذى على دماء الفلسطينيين.

تجريم التضامن مع فلسطين.. خطر يتجاوز الحركة المحظورة

القرار ليس موجّهًا ضد Palestine Action وحدها، بل يحمل رسالة تهديد لكل حركة تضامن، ولكل فرد يفكر في الاحتجاج، ولكل منظمة تتابع جرائم الاحتلال. فبعد اليوم، أي نشاط سلمي يمكن للحكومة أن تصفه بأنه “دعم للإرهاب” إذا ارتبط بفلسطين. يمكن اعتقال ناشط لمجرد رفعه شعارًا أو مشاركته في اعتصام أمام مصنع أسلحة.

وبهذا تعلن بريطانيا رسميًا أن سياستها ليست فقط دعم الاحتلال عسكريًا واقتصاديًا، بل أيضًا توفير الحماية السياسية له عبر خنق كل الأصوات المعارضة. إنها محاولة لقتل سردية فلسطين داخل المجتمع البريطاني، وإعادة كتابة تعريف الإرهاب بما يخدم الرواية الإسرائيلية بالكامل.

خلاصة.. بريطانيا تعاقب الضحية وتكافئ الجلاد

بينما تتواصل جرائم الاحتلال في غزة والضفة، وتُسجَّل آلاف الانتهاكات بحق المدنيين، اختارت الحكومة البريطانية أن تحظر الحركة التي تكشف هذه الجرائم بدل الضغط على إسرائيل لوقف قتل الأبرياء. القرار يكشف تواطؤًا سياسيًا وأخلاقيًا فاضحًا، ويؤكد أن لندن لم تعد طرفًا محايدًا، بل شريكًا مباشرًا في دعم الاحتلال وتوفير غطاء قانوني له.

الحكومة التي تزعم الدفاع عن الديمقراطية وحرية التعبير، أثبتت أنها مستعدة لدهس كل القيم التي تتغنى بها عندما يتعلق الأمر بفلسطين. وبحظر Palestine Action، تكون بريطانيا قد حظرت الحقيقة نفسها، لا الحركة.

اقرأ أيضًا : السيسي جعل مصر على حافة الإفلاس — تحليل لخطاب «تحالف المدينيين» وإعلان تدشين «نادٍ المقتربين»