في لحظة يترنح فيها السودان تحت أعباء حرب مدمّرة منذ أبريل/نيسان 2023، يكشف تقرير دولي جديد حجم الدور البعيد عن الأضواء الذي تلعبه الإمارات في تغذية واحدة من أخطر حروب القارة الأفريقية. التقرير الصادر عن “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود” لا يكتفي بوصف الحرب بوصفها معركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل يتجاوز ذلك لتفكيك اقتصاد ضخم يقوم على تجنيد المرتزقة، وتهريب السلاح، وفتح شرايين امتدت من القرن الأفريقي إلى ليبيا وتشاد، ليتحوّل السودان إلى مركز إقليمي للجريمة المنظمة.

شبكة مرتزقة عابرة للقارات… والإمارات في القلب
التقرير يضع الإمارات في مقدمة الدول التي تقود “اقتصاد المرتزقة” عالميًا، من خلال شبكات تمويل وإمداد تغذي قوات الدعم السريع، الجماعة التي رسخت حضورها العسكري عبر الولاء الخارجي والسلاح القادم من طرق صحراوية معقدة. ورغم نفي أبوظبي المتكرر لأي تورط عسكري، فإن “تراكم الأدلة والشهادات الميدانية”، وفق التقرير، يعكس بنية متماسكة للدعم الفني واللوجستي تقدّمه الإمارات عبر مسارات تمتد من الصومال وأوغندا وأفريقيا الوسطى، قبل أن تصل إلى قلب دارفور.
ويذهب مسؤولون سودانيون إلى أبعد من ذلك، إذ يشيرون إلى اعتماد الدعم السريع على مقاتلين وفنيين من 17 دولة، ما يكشف أن عملية التجنيد تخطت حدود “المساعدات الفردية” إلى شبكة دولية متكاملة تتصدرها أبوظبي التي حوّلت النزاع السوداني إلى ساحة مفتوحة لتجار الموت وشركات الارتزاق.
اقتصاد حرب مستدام… لن ينتهي بانتهاء المعارك
أحد أهم ما يكشفه التقرير هو أن الحرب لم تعد مجرد صراع سياسي أو عسكري داخل السودان، بل تحولت إلى اقتصاد ضخم عابر للحدود، قائم على الذهب غير القانوني، والاتجار بالبشر، وتدفقات السلاح، وتجنيد المرتزقة من قبائل ومجموعات إثنية واسعة في الساحل والصحراء. هذا الاقتصاد، كما يحذر التقرير، “سيستمر حتى لو توقفت المعارك”، لأن البنية التي قامت عليها الحرب أصبحت مستقلة بذاتها وتمتلك دافعًا اقتصاديًا للبقاء.
ويشير التقرير إلى أن تزايد الاعتماد على المرتزقة وانتشار السلاح سيخلقان “قوة دائمة” في الإقليم خلال العقود المقبلة، بما يعزز احتمالات انتقال شبكات الإمداد إلى نزاعات جديدة تمتد من الساحل الغربي إلى القرن الأفريقي.
خطوط الإمداد… الشريان الخفي لانتصارات الدعم السريع
ربط التقرير بين المكاسب الميدانية التي حققتها قوات الدعم السريع وبين الكفاءة العالية لخطوط الإمداد التي ظلت تتدفق دون انقطاع. فخلال سقوط الخرطوم عام 2023، ثم اجتياح مدينة الفاشر أواخر 2024، لعبت الطرق القادمة من ليبيا وتشاد دورًا حاسمًا في تمويل المقاتلين وتزويدهم بالسلاح والوقود والمركبات.
ومع استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في ربيع 2025، واجه الدعم السريع صعوبات كبيرة بعد خسارته مواقع حيوية في شمال دارفور. لكن الجماعة أعادت ترتيب صفوفها سريعًا عبر فتح خط إمداد جديد بمساندة مجموعات موالية للواء الليبي خليفة حفتر، خصوصًا بعد السيطرة على جزء من المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، واستخدام قاعدة معطن السرة الجوية كنقطة ارتكاز لوجستية.
الكفرة وأم جرس.. عقدتان تتحكمان في نبض الحرب
حدد التقرير نقطتين مركزيتين في شبكة الإمداد الممتدة من شمال أفريقيا إلى غرب دارفور:
شرق ليبيا – الكفرة:
تحولت المدينة إلى العمود الفقري للإمدادات الإماراتية، حيث تمر منها الذخائر والوقود والمقاتلون التشاديون قبل نقلهم إلى الجنوب. الكفرة لم تعد مجرد مدينة صحراوية، بل غدت “مركز عمليات سري” يتحرك فيه السماسرة والقوافل المسلحة على مدار الساعة.
تشاد – مدينة أم جرس:
قدّمت الإمارات مشروع “مستشفى ميداني” للاجئين السودانيين في يوليو 2023، لكنه تحول تدريجيًا إلى مركز تنسيق لوجستي لعمليات الدعم السريع. ومنه تمتد الطرق عبر مناطق باو وكارياري وصولاً إلى زوروج في دارفور. كما لعبت وحدات تابعة لحفتر، بينها كتيبة سبل السلام واللواء 128، دورًا أساسيًا في نقل الشحنات من ليبيا إلى عمق الأراضي التشادية حتى معبر عين كزيات حيث تتسلم قوات الدعم السريع الإمدادات.
مرتزقة محترفون… وعمليات منظمة تعيد تشكيل المنطقة
يكشف التقرير أن العمود الفقري لهذه المنظومة يتألف من مرتزقة محترفين يتولون حماية القوافل وتنظيم المرور عبر الحدود، وإدارة نقاط العبور وتنسيق عمليات الدفع والتسليم، ما يعكس درجة عالية من الاحتراف والتنظيم المالي والعسكري. هذا الدور جعل الحرب السودانية تتجاوز كونها نزاعًا داخليًا لتتحول إلى “صراع إقليمي مفتوح”، تتقاطع فيه مصالح دولية وشبكات تهريب معقدة وتحالفات غير معلنة.
خلاصة: حربٌ بتمويل خارجي… ومستقبلٌ أكثر اشتعالًا
يخلص التقرير إلى أن النزاع السوداني أصبح نموذجًا للحروب التي تغذيها شبكات دولية، وأن الدور الإماراتي يمثل المحرك الأبرز في اقتصاد المرتزقة والسلاح الممتد عبر القارة. ومع ترسخ هذه الشبكات وتعاظم نفوذها، فإن السنوات المقبلة قد تشهد تصاعدًا جديدًا في العنف داخل السودان وامتداده إلى عمق الساحل والصحراء، في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لكبح الإمدادات أو تفكيك شبكات الارتزاق التي ازدهرت على حساب ملايين المدنيين.
اقرأ أيضًا : الإمارات مؤججة الحرب.. تقدم الدعم السريع غرب كردفان يكشف عمق التدخل الخارجي