في مشهد يعيد التأكيد على أن المقاومة الفلسطينية ما تزال تمتلك القدرة على المبادرة رغم الحصار والقصف والملاحقة، شهدت رفح عملية جديدة استهدفت قوة إسرائيلية وأدت إلى إصابة خمسة جنود، بينهم حالات خطرة، في ضربة أربكت تقديرات الاحتلال وزعزعت رواياته بشأن «السيطرة المطلقة» على المنطقة. العملية التي خرج منفذوها من نفق تحت الأرض، ونفذوا هجومًا مركبًا ثم انسحبوا، عكست حجم ما تبقى للمقاومة من قوة وقدرة على التخطيط والتنفيذ رغم الظروف القاسية.

مشهد الاشتباك.. من أين جاءت الضربة؟

بحسب التفاصيل التي كشفها الاحتلال نفسه، وقع الاشتباك عندما خرجت مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين من فتحة نفق في المنطقة الشرقية لرفح، واشتبكوا مباشرة مع قوة من لواء «غولاني». تشير الروايات الإسرائيلية إلى أن المقاومين كانوا ثلاثة، وأنهم بدأوا الهجوم بإطلاق سلاح مضاد للدروع على ناقلة جنود «نمر»، وهو ما تسبب في إصابة عدد من الجنود إصابات متفاوتة.

تضمنت العملية عنصرًا شديد الحساسية بالنسبة للجيش الإسرائيلي: الاقتراب المباشر من ناقلة الجنود ولصق عبوة ناسفة بها ثم تفجيرها، ما يشير إلى جرأة كبيرة وخبرة في التعامل مع الدروع الإسرائيلية التي لطالما اعتبرها الجيش من الأكثر تحصينًا في العالم. ورغم إعلان الاحتلال عن مقتل اثنين من المهاجمين، فإنه لم يتمكن من تأكيد مصير الثالث الذي يُعتقد أنه عاد إلى النفق، ما يزيد من ارتباك الرواية الإسرائيلية.

لماذا تعتبر هذه العملية مهمة؟

1. ضربة موجعة لإسرائيل بعد وقف إطلاق النار

تأتي العملية في وقت يعيش فيه الاحتلال حالة قلق داخلي بعد أسابيع من وقف إطلاق النار، حيث كان يروج أن الوضع في رفح «تحت السيطرة الكاملة» وأن المقاتلين المحاصرين في الأنفاق فقدوا القدرة على المناورة. لكن ظهور ثلاثة مقاتلين والخروج من النفق وتنفيذ هجوم معقد ثم الانسحاب، يمثل نسفًا لهذه الدعاية.

2. إثبات فعالية الأنفاق رغم محاولات الاحتلال تدميرها

لطالما كانت الأنفاق مصدر قلق وجودي لإسرائيل، لكن العملية الأخيرة تثبت أن شبكة الأنفاق ما تزال تعمل وتوفر للمقاومة قدرة على التخفي والتنقل والهجوم والانسحاب، حتى في أكثر المناطق مراقبة.

3. عملية مُحكمة ضد نخبة الجيش الإسرائيلي

لواء «غولاني» يُعد من أكثر الألوية تدريبًا وتجهيزًا، وبالتالي فإن نجاح المقاومين في مفاجئته، والاقتراب من ناقلة جنوده، ثم تنفيذ تفجير مباشر، يشير إلى مستوى عالٍ من الاحترافية في التخطيط والتنفيذ.

4. رسالة واضحة: المقاومة لم تُهزم

رغم القصف والتجويع والحصار وتجريف الأحياء، ورغم ما يعلنه الاحتلال من «هيمنة ميدانية»، فإن العملية تكشف أن المقاومة لا تزال قادرة على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

دلالات العملية على المستوى العسكري

أولاً: فشل استخباراتي واضح

الجيش الإسرائيلي يدّعي أنه يملك خرائط مفصلة للأنفاق في رفح، لكن خروج مجموعة مقاتلين من فتحة نفق قرب قواته دون رصد مسبق يشير إلى فجوة ضخمة في قدرات الاستخبارات البشرية والتقنية على حد سواء.

ثانيًا: إخفاق في تأمين القوات البرية

الحادثة تكشف أن قوات الاحتلال لا تزال عرضة للمباغتة، وأن وحداتها البرية — حتى وحدات النخبة — تتحرك في بيئة لا تملك السيطرة عليها كما تدعي.

ثالثًا: استمرار تكتيكات الاقتراب المباشر

التقارير الإسرائيلية أشارت إلى أن أحد المقاتلين اقترب ولصق عبوة بناقلة الجنود، وهو أسلوب يعتمد على القتال القريب الذي تستخدمه المقاومة بشكل متكرر، ويُعد من أكثر التكتيكات إرباكًا لوحدات الاحتلال.

كيف سيؤثر هذا التطور على المشهد؟

داخل إسرائيل

ستخلق العملية ضغطًا جديدًا على القيادة العسكرية والسياسية، خصوصًا أنها تأتي في توقيت تعتبره تل أبيب حساسًا، حيث تروج لنجاحها في رفح. إصابة خمسة جنود — بينهم حالات خطرة — ستُعيد الجدل حول مدى جدوى الاستمرار في العمليات البرية جنوب القطاع.

في غزة

العملية ستعزز معنويات السكان وتؤكد أن المقاومة ما تزال في الميدان، وأن قدرتها على إيذاء الاحتلال لم تختفِ رغم النزيف الكبير في الأرواح والبنية التحتية.

على مستوى التفاوض والضغط الدولي

إسرائيل كانت تراهن على أن المقاتلين المحاصرين في أنفاق رفح سيتخلون عن القتال، وأن وقف النار سيؤدي إلى «هدوء كامل». لكن العملية تثبت أن قدرة المقاومة على الرد لم تتوقف، ما قد يغير شكل التفاوض ويزيد من تعقيد أي تسوية مقبلة.

خلاصة: ثبات المقاومة ليس شعارًا

إن ما جرى في رفح ليس مجرد اشتباك عابر، بل رسالة استراتيجية تقول إن المقاومة — رغم كل الظروف — ما تزال قادرة على التخطيط والتنفيذ والمباغتة. الأنفاق لا تزال سلاحًا فعالًا، والمقاتلون ما يزالون يمتلكون الجرأة والقدرة على اختراق خطوط الاحتلال وتنفيذ عمليات نوعية.

وبينما يحتفل الاحتلال بما يسميه «السيطرة»، تأتي مثل هذه العمليات لتذكره بأن غزة — فوق الأرض وتحتها — ليست مكانًا يمكن إخضاعه بسهولة، وأن ثبات المقاومة واقع يفرض نفسه في كل جولة وكل اشتباك.

اقرأ أيضًا : دعوى فرنسية تكشف إجرام الاحتلال: كيف تحوّلت حرية الصحافة إلى هدف عسكري؟