مع اقتراب عيد الميلاد، تستعدّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإعلان عن ما تصفه بـ“المرحلة الثانية” من خطتها لإنهاء الحرب على غزة، وهي مرحلة تحمل ملامح إعادة تشكيل سياسية وأمنية جذرية للقطاع، عبر حكومة تكنوقراط فلسطينية وقوة دولية متعددة الجنسيات، في إطار ترتيبات يعتبرها مراقبون امتدادًا مباشراً لدعم ترامب غير المشروط للاحتلال، وتفريغًا لفكرة “السلام” من أي مضمون وطني فلسطيني.

هذا الإعلان المرتقب يأتي في لحظة حساسة؛ فالمرحلة الأولى من الاتفاق -وفق الرواية الأمريكية- أوشكت على الاكتمال، بينما تخشى واشنطن أن يؤدي أي تعثر إلى انهيار وقف إطلاق النار وإعادة إشعال القتال. لذلك، تتحرك الإدارة الأمريكية بسرعة لدفع “المرحلة الثانية”، رغم أنها تعيد هندسة غزة دون مفاوضات فلسطينية حقيقية، وتحت سقف تصورات أمنية إسرائيلية بالكامل.

مجلس سلام يرأسه ترامب.. وصيغة وصاية دولية على غزة

المعطيات التي كشفتها مصادر أمريكية لموقع “أكسيوس” تشير إلى أن واشنطن صاغت إطاراً سياسياً جديداً للقطاع تحت مسمى “مجلس السلام”، وهو هيئة تتكوّن من نحو عشرة قيادات عربية وغربية، على أن يرأسها ترامب شخصياً، في خطوة تعكس مدى مركزية السيطرة الأمريكية المباشرة على مستقبل غزة.

ضمن هذا المجلس، ستُنشأ لجنة توجيهية دولية تضم شخصيات مثيرة للجدل في الساحة الفلسطينية والعربية، مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إضافة إلى جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وهما من الشخصيات الأكثر التصاقاً بالمشروع الصهيوني وداعميه داخل الإدارة الأمريكية. هذا التركيب يرسم ملامح خطة لا ترى الفلسطينيين سوى في هامش المشهد، بينما تتولى واشنطن ومعها أطراف غربية رسم مستقبل القطاع.

حكومة تكنوقراط فلسطينية منزوعة الانتماء السياسي

وفق التسريبات، تعكف الإدارة الأمريكية حالياً على تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية من 12 إلى 15 شخصية مستقلة، تُختار بعناية بحيث لا تنتمي إلى حماس أو فتح أو أي فصيل فلسطيني آخر. المقصود هنا – كما يرى محللون – هو صناعة طبقة إدارية “محايدة سياسياً” لكنها متوافقة تماماً مع الإطار الأمريكي – الإسرائيلي.

القائمة الأولية تضمنت 25 اسماً، جرى تقليصها إلى النصف، ويعيش بعض المرشحين حالياً في غزة، بينما يقيم آخرون خارجها وسيعودون للمشاركة في إدارة القطاع.

هذه الترتيبات، بحسب مراقبين، ترسّخ نموذج “الإدارة المدنية” الذي تفضله إسرائيل منذ سنوات: فلسطينيون يديرون، لكن تحت إشراف خارجي كامل.

قوة دولية في غزة.. انسحاب إسرائيلي مُدار وليس مُلزماً

الشق الأمني من خطة المرحلة الثانية لا يقل حساسية؛ إذ تتحدث واشنطن عن “قوة استقرار دولية” (ISF) تعمل جنباً إلى جنب مع حكومة الخبراء. الدول التي أبدت استعداداً لإرسال قوات تشمل إندونيسيا وأذربيجان ومصر وتركيا. لكن الانتشار سيكون – كما تذكر التسريبات – في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حالياً، ما يعني عملياً أن القوة الدولية ستكون امتداداً للوجود العسكري الإسرائيلي، لا بديلاً عنه.

مسؤولون أمريكيون قالوا إن نشر هذه القوة سيسمح بانسحاب إضافي للجيش الإسرائيلي. لكن مثل هذه الصياغة تفتح الباب أمام انسحاب جزئي، انتقائي، أو قابل للرجوع، وليس انسحاباً كاملاً. ويخشى فلسطينيون أن تتحول القوة الدولية إلى درع يقي إسرائيل من المساءلة، ويُبقي القطاع في حالة “احتلال مُدار”.

نزع سلاح حماس.. جوهر الخطة الأمريكية

الولايات المتحدة وقطر ومصر وتركيا تُجري مفاوضات مع حماس حول انسحاب الحركة من إدارة القطاع والشروع في عملية نزع السلاح – بدايةً بالأسلحة الثقيلة ثم الخفيفة. هذا الجزء يُعدّ جوهر الخطة الأمريكية، وهو أقرب إلى مطلب إسرائيلي قديم بإنهاء قدرة المقاومة على الفعل العسكري.

مصادر غربية قالت إن القاهرة والدوحة متفائلتان بإمكانية الوصول لاتفاق، بينما يظهر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أقل حماسة، لكنه “ملتزم بإعطاء فرصة للنجاح”. غير أن السؤال الحقيقي -كما يعترف أحد الوسطاء- هو: هل تقبل حماس بتسليم سلطتها ونزع سلاحها والسماح بحكومة جديدة تعمل تحت وصاية دولية؟ الإجابة هنا ستحدد مصير الخطة كلها.

“لحظة الحقيقة”.. خطة بلا طرف فلسطيني أصيل

الوسطاء يريدون -كما تكشف التسريبات- إنهاء كل الترتيبات قبل عرضها على حماس. بمعنى آخر، يصاغ مستقبل غزة دون مشاركة فاعلها المركزي. “المعادلة”، كما وصفها أحد المصادر، ستكون: ينسحب الجيش الإسرائيلي، وتترك حماس السلطة. لكنها معادلة فقدت أهم شروط النجاح: وجود إطار سياسي عادل، وضمانات حقيقية، ودور فلسطيني أصيل.

على الجانب الآخر، تستمر إدارة ترامب في ترويج الخطة باعتبارها “تاريخية” وتهدف لجلب الأمن والازدهار لغزة. إلا أن الرؤية الأمريكية تتجاهل جذور الصراع، وتُغفل أن أي عملية سلام حقيقية تبدأ بإنهاء الاحتلال وليس بإعادة تدويره.

وسطاء غائبون.. وترامب يمنح الاحتلال ما يريد

رغم الحديث المتكرر عن دور قطر ومصر وتركيا، إلا أن حقيقة الخطة تُظهر أن واشنطن هي اللاعب الحاسم، وأن الوسطاء الفعليين غائبون عن صياغة القرار. إدارة ترامب تقدم لإسرائيل ما عجزت عن تحقيقه: نزع سلاح المقاومة، إعادة هندسة الحكم الفلسطيني، وإبقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية عبر قوة دولية.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه سكان غزة إعادة الإعمار وإنهاء الحصار، تبدو الخطة الأمريكية أقرب إلى “صفقة إدارة للأزمة” لا “حلٍّ للصراع”. فهي تُعيد إنتاج نفس المعادلات التي فشلت لعقود: أمن لإسرائيل، وحلول مؤقتة للفلسطينيين، ودعم سياسي غير محدود للاحتلال تحت شعار “السلام”.

اقرأ أيضًا : مايكروسوفت في مرمى الاتهام.. شكوى أوروبية تتهم الشركة بالتستّر على جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين