في مؤشر جديد على تعمّق أزمة المجموعات المرتبطة بالاحتلال داخل قطاع غزة، كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر فلسطينية قولها إن عشرات المسلحين المنتمين إلى ما يعرف بـ”جماعات متعاونة مع الاحتلال” بدأوا خلال الـ48 ساعة الماضية تسليم أنفسهم طوعا للأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس. يأتي ذلك بعد مقتل ياسر أبو شباب، أبرز قادة تلك المجموعات، في ضربة وُصفت داخل القطاع بأنها أنهت “آخر مظاهر الشرذمة” التي حاول الاحتلال استثمارها لإضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية.
تسارع كبير في عمليات التسليم.. وانهيار في البنية التنظيمية
وبحسب المصادر التي نقلت عنها هيئة البث، فإن موجة التسليم شهدت تسارعا لافتا منذ يوم الجمعة، وتركزت بشكل خاص في رفح وخان يونس؛ وهما المنطقتان اللتان حاولت فيهما إسرائيل إنشاء مجموعات مسلحة تعمل لصالحها بشكل مباشر، بتمويل وتسليح وتوجيه ميداني.
ويقول شهود محليون إن المشهد الأمني تغيّر خلال اليومين الماضيين، حيث تقدّم عشرات العناصر إلى مقار الشرطة والأمن الداخلي معلنين رغبتهم في “إنهاء ملفاتهم” قبل أن يلقوا المصير نفسه الذي انتهى إليه قادتهم. وتؤكد مصادر فلسطينية أن انهيار هذه المجموعات لم يكن مفاجئاً، لكنها تشير إلى أن وتيرته المتسارعة أربكت الاحتلال الذي كان يعوّل عليها في تنفيذ مهام أمنية ولوجستية ضد المقاومة.
دعوة داخلية حماس: تسليم فوري وتخفيف في الإجراءات
وتأتي هذه التطورات بعد يوم واحد فقط من بيان وزارة الداخلية في غزة الذي دعا كل المتورطين في “المجموعات الإجرامية المرتبطة بالاحتلال” إلى تسليم أنفسهم فوراً، مع التعهد بمعالجة ملفاتهم وفق القانون وبشكل قد يخفف من إجراءات محاكماتهم في حال استجابوا.
وأكدت الوزارة أن مقتل ياسر أبو شباب “يمثل مصيراً حتمياً لكل من يورّط نفسه بالارتباط بالاحتلال”، مشيرة إلى أن ما جرى يجب أن يكون رسالة واضحة لمن يحاول إعادة إنتاج دور مشابه داخل القطاع.
ولفت البيان إلى أن الاحتلال عمد إلى تشكيل هذه المجموعات بهدف “العبث بالساحة الداخلية” وضرب النسيج الوطني، لكنّها بقيت “معزولة دون ظهير شعبي أو مجتمعي” لافتقارها لأي شرعية داخل المجتمع الفلسطيني.
موقف العائلات والقبائل: قطع للطريق على الاختراق الإسرائيلي
ولم يكن لافتا فقط حجم الانهيار في صفوف تلك المجموعات، بل أيضاً الموقف الواضح للعائلات والقبائل التي أعلنت براءتها من المتورطين، وفي مقدمتهم قبيلة الترابين التي أصدرت بياناً أكدت فيه أن مقتل أبو شباب “طوى صفحة عار”، وأن ما قام به لا يمثل القبيلة ولا تاريخها.
هذا الموقف القبلي اعتُبر رسالة قوية ليس للاحتلال فحسب، بل لكل من يفكر بالارتباط به، إذ يعكس الإجماع الشعبي على رفض أي شكل من أشكال التعاون مع جهة تُمارس حرب إبادة ضد الفلسطينيين.
محاولات إسرائيل لاختراق المجتمع الغزّي.. فشل جديد
ويرى محللون أن تسليم عشرات العناصر أنفسهم خلال 48 ساعة فقط يشكل ضربة أمنية وسياسية قاسية للاحتلال الذي حاول خلال العامين الماضيين بناء “وكلاء محليين” لتسهيل عملياته العسكرية وجمع المعلومات وتثبيت تواصل ميداني مع بعض الجيوب الجغرافية.
وكانت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة قد كشفت في يوليو/ تموز الماضي أن أبو شباب ومجموعته “صنعتهم إسرائيل واعترفت بتسليحهم وتشغيلهم”، مؤكدة أن الاحتلال حاول من خلالهم إيجاد قوة محلية تحمي جنوده وتوفر له غطاءً داخلياً للعمل في عمق القطاع. لكن الوقائع تشير اليوم إلى فشل هذا المشروع بالكامل.
ثبات المقاومة: البنية الأمنية لم تهتز رغم الحرب
ورغم شراسة الهجمات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، تبدي المقاومة في غزة تماسكاً أمنياً لافتاً، يظهر بوضوح في قدرتها على:
- تفكيك الشبكات الأمنية المرتبطة بالاحتلال بسرعة ودون ارتباك.
- الحفاظ على جبهة داخلية موحدة رغم الحرب الطويلة ومحاولات إسرائيل خلق صراعات داخلية.
- تحقيق اختراقات ميدانية في متابعة تحركات هذه المجموعات واستهداف قادتها.
- إفشال استراتيجية “الجيوش الصغيرة” التي راهن عليها الاحتلال.
ويؤكد محللون أن ما جرى خلال الأيام الأخيرة يُعد دليلاً إضافياً على أن بنية المقاومة الأمنية لم تتأثر جوهرياً بفعل الحرب، بل تمكنت من إعادة ترتيب أولوياتها وتثبيت سيطرتها على الأرض، الأمر الذي جعل أي محاولة إسرائيلية لخلق بديل محلي تنهار مع أول اختبار.
رسالة فلسطينية موحّدة: لا مكان للجماعات المرتبطة بالاحتلال
بيانات الفصائل وتصريحات الداخلية والمواقف القبلية كلها تعكس جبهة فلسطينية موحدة ضد أي اختراق إسرائيلي، وهو ما أكدت عليه وزارة الداخلية حين قالت: “لم يفلح الاحتلال في المس بوحدة شعبنا أو إحداث شرخ في بنيته المجتمعية”.
أما المجموعات التي شكلها الاحتلال، فقد بقيت “معزولة” بلا أي حاضنة شعبية، وانتهت في النهاية إلى تفكك ذاتي سريع مع أول صدمة أمنية.
خلاصة: مشروع الاحتلال يسقط مجدداً
يكشف المشهد برمّته أن مشروع الاحتلال الرامي إلى بناء “أدوات محلية” داخل القطاع انهار بالكامل، وأن المقاومة — رغم الحصار والقصف واستنزاف الموارد — حافظت على تماسكها وثباتها الأمني، وأثبتت أنها الطرف القادر على ضبط الأمن الداخلي ومنع أي اختراقات.
وتظهر التطورات الأخيرة أن الثقة الشعبية بالمقاومة لا تزال راسخة، وأن أي محاولات إسرائيلية لخلق جماعات بديلة ستُواجَه بالعزلة الاجتماعية والانهيار السريع، كما حدث مع مجموعة أبو شباب.
اقرأ ايضا : تظاهرات في برلين تطالب بوقف تصدير الأسلحة للاحتلال.. احتجاجات تتصاعد والشرطة ترد بعنف