في تحول غير مسبوق في تاريخ المملكة العربية السعودية، أعلنت الرياض السماح للمقيمين غير المسلمين الذين يتجاوز دخلهم الشهري 50 ألف ريال سعودي (13,300 دولار) بشراء المشروبات الكحولية ضمن آلية مقنّنة وتحت رقابة حكومية مباشرة، في خطوة تُعدّ الأحدث ضمن سلسلة قرارات تهدف — بحسب الرواية الرسمية — إلى “تطوير جودة الحياة” و“تعزيز البيئة الاستثمارية”.

غير أن هذه الخطوة، التي تهزّ واحداً من أكثر جوانب الهوية السعودية حساسية، أثارت جدلاً واسعًا حول المسار الذي يقوده ولي العهد محمد بن سلمان نحو إعادة صياغة المجتمع السعودي، بما يتجاوز الإصلاحات إلى ما يشبه مشروع تفكيك منهجي للهوية العربية والإسلامية التقليدية التي تأسست عليها المملكة.

فتح باب الكحول… قرار اقتصادي أم هندسة اجتماعية؟

على المستوى الظاهري، يندرج القرار ضمن رؤية 2030 التي تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير بيئة أكثر “تحررًا” للمقيمين الأجانب، خصوصًا أصحاب الدخل المرتفع الذين تعتمد عليهم قطاعات التكنولوجيا والسياحة والترفيه والمال.

وتحاول الحكومة تقديم الخطوة باعتبارها “تنظيمًا” لا “سماحًا”، إذ تربط شراء الكحول بحد أدنى مرتفع للدخل، ما يعني أن القرار صُمّم خصيصًا لفئة صغيرة من الأجانب، وليس للمجتمع عمومًا.

لكن هذا التبرير يبدو قاصرًا أمام سلسلة من الإجراءات المتتابعة التي كسرت محظورات سياسية ودينية واجتماعية خلال السنوات الماضية:

فتح الحفلات المختلطة والمهرجانات الليلية

السماح بالقمار بشكله غير المباشر عبر مسابقات مدفوعة وجوائز ضخمة

تضييق غير مسبوق على المؤسسة الدينية التقليدية

تشجيع الأنماط الغربية في الترفيه والاستهلاك

وبذلك يصبح السماح بشراء الكحول حلقة جديدة في تحول جذري تُديره الدولة من أعلى الهرم، يهدف إلى إعادة تشكيل قيم المجتمع بما يتماشى مع رؤية سياسية تسعى لجعل السعودية “دولة طبيعية” وفق المقاييس الغربية، حتى ولو كان الثمن تفكيك البنية الثقافية والدينية التي قامت عليها المملكة منذ 300 عام.

مشروع بن سلمان: اقتصاد سياحي وهوية مُعاد تصنيعها

لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن مشروع محمد بن سلمان الأوسع، القائم على تحويل السعودية إلى مركز سياحي وترفيهي ضخم، منافس لدبي ولندن ولاس فيغاس في آن واحد.

فالمملكة التي كانت تُعرّف نفسها كحاضنة لأقدس مقدسات المسلمين، تتحول سريعًا إلى دولة ذات طابع استهلاكي غربي، تُعاد فيها صياغة:

  • دور الدين
  • شكل المجال العام
  • القيم الاجتماعية
  • المعايير الأخلاقية

     

ولأن الكحول أحد أبرز الرموز الفارقة بين المجتمع المسلم والمجتمع الغربي، فإن السماح بها — ولو لفئة محدودة — يمثل تحولًا رمزيًا يعكس عمق التغيير في هوية الدولة.

ويرى محللون أن استهداف فئة ذات دخل مرتفع ليس سوى مرحلة أولى، وأن التدرّج في رفع القيود يُستخدم عادة لتمرير قرارات صادمة دون مواجهة مجتمعية كبيرة. وهو الأسلوب ذاته الذي اتبعته الحكومة في ملفات الموسيقى والحفلات والاختلاط.

بين الرواية الرسمية والواقع… هل تتفكك السعودية؟

رغم أن السلطات تسوّق الخطوة باعتبارها “ضرورية لجذب الكفاءات الأجنبية”، إلا أن منتقدين داخل المملكة وخارجها يرون أنها جزء من سياسة أشمل تهدف إلى هدم الأساسات الثقافية للمجتمع السعودي واستبدالها بنموذج استهلاكي غربي.

ويذهب بعضهم إلى اعتبار ما يحدث “تخريبًا ممنهجًا” للهوية الوطنية والعربية، يُنفّذ من خلال:

  1. تحييد المؤسسة الدينية وتقليص دور هيئة كبار العلماء
  2. إضعاف القبائل والنخب التقليدية
  3. خلق طبقة نخبوية جديدة تعتمد اقتصاديًا على الدولة وتدعم مشروع ولي العهد
  4. إعادة تعريف السعودية كدولة خدمات عالمية بدلًا من دولة عربية إسلامية ذات ثقل حضاري

هذا التحول — وفق أصحاب هذا الرأي — لا يمكن فصله عن طموحات ابن سلمان لتغيير صورة السعودية دوليًا، واستبدال نموذج “المملكة المحافظة” بنموذج “المملكة المنفتحة التي تشبه الغرب”.

انعكاسات القرار… اقتصاد أقوى أم أزمة اجتماعية قادمة؟

اقتصاديًا، قد تسهم الخطوة في:

  • زيادة الإنفاق الاستهلاكي
  • تحفيز قطاع التجزئة
  • جذب مزيد من الشركات الأجنبية

    تعزيز السياحة الترفيهية

لكن اجتماعيًا، يثير القرار موجة من المخاوف:

  • تآكل الحدود الفاصلة بين ما هو “مسموح” و“محرّم”
  • اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع المحافظ
  • تحول السعودية إلى نسخة جديدة من الإمارات، لكن بوتيرة أسرع وأعمق
  • تزايد الاستياء الشعبي المكتوم نتيجة القرارات المفروضة من أعلى

     

ويرى مراقبون أن هذه التغيرات السريعة ستترك أثرًا طويل المدى على بنية المجتمع، وربما تُحدث شرخًا بين الأجيال، بين أقلية مستفيدة من الانفتاح الاقتصادي، وأغلبية تشعر بأن هويتها تتعرض للتشويه والتهميش.

خلاصة

في النهاية، فإن السماح بشراء الكحول لفئة محددة من الأجانب ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل علامة جديدة على التحول الجذري الذي تعيشه السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان.

تحول يُعيد رسم ملامح المجتمع، ويفكك الثوابت، ويؤسس لهوية جديدة لا تشبه السعودية التي عرفها العالم لعقود.

وبينما تسعى الرياض إلى جذب الاستثمارات وخلق صورة حديثة، فإن الثمن — وفق المنتقدين — هو تآكل الهوية العربية والإسلامية، واستبدالها بنسخة مصنّعة على مقاس “رؤية 2030”

اقرأ أيضًا : الإمارات ودورها التخريبي في السودان.. وزير العدل يكشف الخلفيات