في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بالذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تبدو تونس ـ التي قادت قبل عقد من الزمن شرارة الربيع العربي وألهمت المنطقة بأسرها ـ غارقةً اليوم في وضع حقوقي يُوصف بأنه “الأخطر” منذ عقود. فقد حذّر حقوقيون وصحفيون ومحامون من مسار تراجعي غير مسبوق للحقوق والحريات، وسط تصاعد الاعتقالات، ومحاكمات مستندة إلى قوانين استثنائية، وعلى رأسها المرسوم عدد 54 الذي بات، وفق تعبيرهم، “سيفًا مسلطًا على رقاب المعارضين وكل صاحب رأي”.

هذه التحذيرات جاءت خلال ندوة صحفية عقدت الأربعاء، تزامنًا مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حيث أجمع المتحدثون على أنّ تونس تعيش “منعرجًا خطيرًا” على مستوى الحقوق الأساسية في ظل ممارسات السلطة الحالية بقيادة الرئيس قيس سعيّد، الذي تتهمه المنظمات الحقوقية باستخدام القضاء وقوانين مكافحة الإرهاب لتصفية الخصوم السياسيين وإسكات الأصوات المنتقدة.

وضع حقوقي “صعب للغاية”

عميد المحامين التونسيين، بوبكر بالثابت، قدّم صورة قاتمة عن الواقع الحقوقي في البلاد، قائلاً:

“وضع حقوق الإنسان صعب جدًا في تونس، وهو بعيد كل البعد عما يخطه الإعلان العالمي والنصوص الوطنية والقوانين.”

وأشار بالثابت إلى أنّ ضمانات المحاكمة العادلة باتت شبه غائبة، وأن ممارسات عديدة تُنسف أسس العدالة وحقوق الدفاع، خصوصًا في القضايا التي يحاكم فيها سياسيون ومحامون بارزون. وأضاف أنّ المحاكمات تتم أحيانًا أمام دوائر غير مختصة، وفي إطار قوانين استثنائية لا تتوافق مع معايير حقوق الإنسان الدولية.

ويقبع في السجون اليوم عدد من أبرز الشخصيات السياسية والمعارضة، بينهم عبير موسي، نور الدين البحيري، رضا بالحاج، غازي الشواشي، عصام الشابي، نجيب الشابي، والعياشي الهمامي، في ما يعتبره المدافعون عن الحقوق حملة ممنهجة لتفريغ الساحة السياسية من الأصوات المخالفة.

ولم يتوقف الأمر عند المحاكمات، بل شمل أيضًا ـ وفق بالثابت ـ التضييق على المساجين أنفسهم خلال الزيارات أو من خلال نقلهم إلى سجون بعيدة عن مقار محاكماتهم، الأمر الذي يعدّ ضربًا لحقوقهم الأساسية.

وأكد عميد المحامين أنّ “المحاماة لن تسكت عن مخالفة القانون مهما كان الثمن”، داعيًا السلطة إلى فتح حوار حقيقي لضمان سيادة القانون، باعتبارها الضمانة الوحيدة لجميع الأطراف، بما في ذلك السلطة نفسها.

المرسوم 54.. قانون يتحوّل إلى أداة قمع

في الجانب الإعلامي، قدّم نقيب الصحفيين التونسيين زياد الدبار تقييمًا لا يقل قتامة، مؤكدًا أن “واقع الحقوق صعب للغاية، خصوصًا على مستوى حرية الصحافة في ظل المرسوم عدد 54 الناسف لكل الحقوق”.

المرسوم الذي صدر عام 2022، ويهدف رسميًا إلى مكافحة “الأخبار الكاذبة”، أصبح وفق الصحفيين سيفًا يهدّد كل من يعبّر عن موقف مخالف للسلطة، سواء كان صحفيًا أو مواطنًا عاديًا. وقد سُجن بموجبه عدد من الصحفيين، وتعرّض آخرون للملاحقة والمنع من تغطية الندوات الرسمية والمحاكمات، في سياسة تعتبرها النقابة “إقصاء ممنهجًا” للأصوات المستقلة.

وأوضح الدبار أنّ الصحفيين الناقدين للسلطة يُمنعون من التغطية داخل المحاكم، وأن هناك تمييزًا واضحًا بين العاملين في القطاع العام والقطاع الخاص، ما يعكس توجهًا لاحتكار السردية الرسمية ومنع تداول المعلومات خارج الإطار الحكومي.

وتنص المادة 24 من المرسوم 54 على عقوبات قاسية تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامات ضخمة تصل إلى 50 ألف دينار، لمجرد نشر محتوى تعتبره السلطة “كاذبًا” أو “مضرًا بالأمن العام”، وهي عبارات فضفاضة تُسهل استخدامها لتكميم الأفواه.

أحكام جماعية ومئات السنين من السجن

شهدت تونس خلال الأشهر الأخيرة موجة من الأحكام القضائية الثقيلة بحق معارضين، شملت ملفات معروفة إعلاميًا بـ”التآمر 1″ و”التآمر 2″، وتراوحت مجموع الأحكام فيها بين عشرات ومئات السنين، ما أثار صدمة واسعة لدى الرأي العام، واعتبره حقوقيون رسالة ردع تستهدف كل من يفكر في معارضة توجهات السلطة.

ويرى مراقبون أن هذه الأحكام تأتي في سياق مناخ سياسي يسوده الاحتقان، بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في يوليو 2021، حين حلّ البرلمان وتولى كامل السلطات، وهو ما تصفه المعارضة بـ”الانقلاب على الدستور”.

بين الخطاب الرسمي والواقع

ورغم أن السلطة في تونس تكرر حديثها عن التزامها بالحقوق والحريات، إلا أن الواقع ـ وفق الحقوقيين ـ يشير إلى العكس تمامًا. فالملاحقات القضائية، والمنع من السفر، ومحاكمات المدنيين أمام محاكم عسكرية، والقيود على الصحافة، كلها تعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسات الميدانية.

ويحذّر الخبراء من أن استمرار هذا النهج يهدد ما تبقى من المكاسب الديمقراطية التي حققها التونسيون بعد ثورة 2011، كما ينذر بانغلاق سياسي وعزلة دولية قد تزيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي هشاشة.

خلاصة

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، تبدو تونس اليوم دولة تُدقّ فيها نواقيس الخطر حقوقيًا وديمقراطيًا. فالقمع يتصاعد، والحقوق تتراجع، والمرسوم 54 يتحوّل إلى أداة عقاب جماعي، فيما تتكدس السجون بالسياسيين والصحفيين والمعارضين.

وبين دعوات المجتمع المدني لاحترام الحقوق، وإصرار السلطة على نهجها الحالي، تظل تونس عالقةً في مفترق طرق: إما العودة إلى مسار ديمقراطي يحترم الحريات، وإما استمرار الانحدار نحو نموذج سلطوي يلتهم كل مكتسبات الثورة.

اقرأ أيضًا : تحقيق إسرائيلي يفضح إجرام الاحتلال: إعدام ميداني لأخوين فلسطينيين في نابلس ومنع إسعافهما حتى الموت