في خطوة تعكس حجم الانحياز الأمريكي لمشاريع الاحتلال في غزة تحت لافتة “السلام”، كشف موقع “أكسيوس” أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعتزم تعيين جنرال أمريكي برتبة لواء لقيادة قوة الاستقرار الدولية التي يجري تشكيلها في القطاع، بموجب القرار الأممي الأخير المتعلق بخطة إدارة غزة. الخطوة — التي تأتي في سياق هندسة أمنية وسياسية جديدة — تهدف، وفق تسريبات مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين، إلى طمأنة تل أبيب بأن أي ترتيبات دولية لن تخرج عن السقف الأمني الذي تفرضه.

وبحسب “أكسيوس”، أبلغ سفير الأمم المتحدة مايك والتز، خلال زيارته إسرائيل هذا الأسبوع، كلاً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومسؤولين كباراً بأن الولايات المتحدة ستتولى قيادة قوة الاستقرار، وأن قائداً برتبة لواء سيشرف عليها بشكل مباشر. أحد المسؤولين الإسرائيليين قال للموقع إن والتز شدد على أن الجنرال المرشح “يعرفه شخصيًا” وأنه “شخص جاد للغاية”، في إشارة تحمل رسالة واضحة إلى إسرائيل بأن القوة الدولية ستكون منسجمة مع رؤيتها الأمنية.

ضمانات لإسرائيل وتطمينات مبكرة

المسؤولون الإسرائيليون الذين تحدثوا لـ”أكسيوس” أكدوا أن وجود ضابط أمريكي رفيع على رأس القوة ليس تفصيلاً تقنياً، بل خطوة سياسية تضمن أن تعمل القوة وفق “المعايير المناسبة” — أي وفق المتطلبات الأمنية الإسرائيلية. فداخل إسرائيل، لا يزال القلق قائمًا من أن يؤدي إشراك دول أخرى في ترتيبات ما بعد الحرب إلى تقييد العمليات العسكرية أو منح الفلسطينيين مساحة سياسية أكبر مما ترغب به الحكومة اليمينية الحالية.

ويأتي الموقف الأمريكي ليُخفف هذا القلق، لا سيما أن إدارة ترامب الحالية تبنت منذ اليوم الأول مقاربة أمنية تتسق بشكل كامل مع رؤية اليمين الإسرائيلي، سواء في ملف غزة أو الضفة أو حتى التطبيع الإقليمي.

ملادينوف في المشهد من جديد

وبحسب مصادر أمريكية وإسرائيلية، اقترحت واشنطن أن يعمل المبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، ممثلاً لمجلس السلام المقترح على الأرض في غزة. ويعود ملادينوف إلى الواجهة نظراً لخبرته الطويلة في التعامل مع الفصائل الفلسطينية، وقدرته على التواصل مع الأطراف الإقليمية، إضافة إلى أنه يُعد شخصية مقبولة لدى الولايات المتحدة.

وسيعمل الموفد الأممي مع حكومة فلسطينية تكنوقراطية مستقبلية — وهو المصطلح الذي تستخدمه واشنطن لتجنّب أي ذكر للسلطة الحالية أو لحركة حماس — ضمن رؤية قائمة على “إدارة انتقالية” بانتظار اكتمال ما يُسمى البرنامج الإصلاحي للسلطة الفلسطينية، بحيث تستعيد السيطرة على غزة في مرحلة لاحقة.

ترامب: قادة العالم يتسابقون للانضمام إلى مجلس السلام

وفي تصريحات لافتة خلال فعالية اقتصادية في قاعة روزفلت بالبيت الأبيض، قال ترامب إن الإعلان عن أسماء القادة الدوليين المشاركين في مجلس السلام سيصدر مطلع العام المقبل، مؤكداً أن “الملوك والرؤساء ورؤساء الوزراء — جميعهم يريدون أن يكونوا في المجلس”. وأضاف أن المجلس سيكون “واحداً من أكثر المجالس أسطورية على الإطلاق”.

هذا الخطاب المتخم بالمبالغة يعكس رغبة ترامب في تقديم خطته للسلام كإنجاز تاريخي، رغم أنها تقوم أساساً على تثبيت السيطرة الأمنية الإسرائيلية وتطبيع دور دولي — تقوده واشنطن — في إدارة غزة دون معالجة جذور الصراع أو منح الفلسطينيين أي حقوق سياسية حقيقية.

قرار أممي بصياغة أمريكية… لتنفيذ خطة ترامب

وكان مجلس الأمن قد اعتمد في 17 نوفمبر قرارًا صاغته الولايات المتحدة، يجيز تشكيل “مجلس للسلام” يتولى الإشراف على إدارة انتقالية في غزة، إضافة إلى قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار. القرار جاء متماهياً بالكامل مع رؤية واشنطن وتل أبيب، خصوصاً في ما يتعلق بضمان عدم عودة حركة حماس إلى الحكم، ووضع آليات رقابية صارمة على أي حكومة فلسطينية مستقبلية.

ويحدد القرار أن مجلس السلام سيعمل إلى حين اكتمال ما يوصف بـ”البرنامج الإصلاحي” للسلطة الفلسطينية، بما يمكّنها من “استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعال”. وهي صيغة تعني عملياً أن أي دور فلسطيني يبقى مشروطاً ومحدوداً، وطويلاً، وتحت إشراف أمريكي-إسرائيلي مباشر.

ترتيبات ما بعد الحرب: إعادة إعمار تحت الوصاية الدولية

وبحسب نص القرار، فإن مجلس السلام سيكون مسؤولاً عن وضع إطار العمل وتنسيق تمويل إعادة إعمار غزة، لكن ذلك سيتم وفق خطة ترامب المكوّنة من 20 نقطة، والتي تتضمن قيودًا أمنية واسعة وإشرافًا مباشرًا على حركة الأموال والمواد، وهو ما يُرجّح أن يؤدي إلى إبقاء القطاع في دائرة السيطرة الخارجية لسنوات.

خلاصة: “سلام” بمقاييس الاحتلال

إعلان استعداد واشنطن لتعيين جنرال أمريكي يقود قوة الاستقرار في غزة يكشف بوضوح أن المرحلة المقبلة ليست انتقالاً نحو سيادة فلسطينية أو عملية سلام حقيقية، بل امتداد لنهج يجعل الأمن الإسرائيلي معيار كل خطوة. وتحت عنوان “مجلس السلام”، تُعاد صياغة إدارة غزة بطريقة تُقصي المقاومة، وتُقيد القرار الفلسطيني، وتُعيد إنتاج الوصاية الدولية بثوب جديد.

بذلك يصبح “السلام” الذي يروّج له ترامب — كما تكشف تسريبات “أكسيوس” — مجرد غطاء سياسي لتثبيت ترتيبات أمنية واقتصادية تعزز مشروع الاحتلال، بينما يبقى الفلسطينيون خارج دائرة صنع القرار، وفي انتظار “إصلاحات” قد لا تأتي أبدًا.

اقرأ أيضًا : تحقيق إسرائيلي يفضح إجرام الاحتلال: إعدام ميداني لأخوين فلسطينيين في نابلس ومنع إسعافهما حتى الموت