أعلن ما يُسمّى بـ“المجلس الانتقالي الجنوبي” في اليمن، الاثنين، إطلاق عملية عسكرية جديدة في محافظة أبين، تحت شعار “مكافحة الإرهاب”، في خطوة اعتبرها مراقبون حلقة جديدة ضمن مشروع عسكري–سياسي يستهدف تكريس واقع الانقسام وفرض الأمر الواقع بالقوة المسلحة، بدعم مباشر من دولة الإمارات.
وبحسب بيان صادر عن قوات “الحزام الأمني” التابعة للانتقالي، فإن العملية التي حملت اسم “الحسم” انطلقت بقيادة العميد محسن عبد الله الوالي، وتأتي – وفق الرواية الرسمية للميليشيا – استكمالًا لعملية “سهام الشرق”، بزعم ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة وقطع خطوط إمدادها في أبين.

ذريعة “مكافحة الإرهاب” وتاريخ السيطرة بالقوة
منذ عام 2019، تسيطر ميليشيا الانتقالي الجنوبي على محافظة أبين، في وضع ترفضه الحكومة اليمنية الشرعية وتصفه بالانقلاب المسلح على مؤسسات الدولة. ورغم الخطاب المتكرر حول “محاربة الإرهاب”، فإن السنوات الماضية لم تشهد حسمًا حقيقيًا لملف تنظيم القاعدة، بقدر ما شهدت تثبيتًا لنفوذ عسكري وأمني خارج إطار الدولة.
وتشير تقارير يمنية وحقوقية إلى أن أبين تحولت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وعمليات أمنية تفتقر للشفافية، وسط اتهامات متكررة لقوات الانتقالي بالتغاضي عن تحركات عناصر متطرفة، أو استخدام فزاعة “الإرهاب” لتبرير التمدد والسيطرة.
عملية “الحسم”… الاسم ذاته والسياسة ذاتها
في كلمته المرافقة لإطلاق العملية، شدد قائد الحزام الأمني على أن القوات “ماضية بكل حزم في قطع خطوط إمداد الجماعات الإرهابية”، وأن “أمن أبين أولوية قصوى”. غير أن هذا الخطاب يتكرر مع كل حملة عسكرية جديدة، دون نتائج ملموسة على الأرض سوى مزيد من العسكرة والتوتر.
ويرى محللون أن تسمية العمليات العسكرية بأسماء حاسمة لا تعكس بالضرورة تغييرًا في النهج، بل تؤكد استمرار سياسة فرض السيطرة بالقوة، خاصة في ظل غياب أي تنسيق حقيقي مع الحكومة الشرعية أو المؤسسات الأمنية الرسمية.
الإمارات والميليشيا… علاقة تتجاوز الدعم إلى التوظيف
لا يمكن فصل تحركات “المجلس الانتقالي الجنوبي” العسكرية عن الدعم الإماراتي المباشر، سياسيًا وعسكريًا وماليًا. فمنذ تدخل أبوظبي في اليمن ضمن التحالف، عملت على إنشاء وتدريب وتسليح تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، أبرزها قوات الحزام الأمني والنخب المختلفة، التي تشكل العمود الفقري للانتقالي.
ويهدف هذا الدعم – بحسب مراقبين – إلى تمزيق الجغرافيا اليمنية، والسيطرة على الموانئ والممرات البحرية والمنشآت النفطية، بما يخدم أجندة إماراتية إقليمية، على حساب وحدة اليمن وسيادته.
من أبين إلى حضرموت والمهرة… مشروع تمدد لا حملة أمنية
تأتي عملية أبين في سياق تصعيد أوسع شهدته المحافظات الجنوبية خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أعلنت ميليشيا الانتقالي استكمال سيطرتها على محافظة المهرة، وتوسعت في مناطق بمحافظة حضرموت، بما في ذلك حقول ومنشآت نفطية حساسة.
هذه التحركات، التي جرت دون غطاء قانوني أو توافق وطني، عززت المخاوف من سيناريو تقسيم فعلي لليمن، عبر فرض وقائع ميدانية بقوة السلاح، بعيدًا عن أي مسار سياسي جامع.
تحذير رئاسي… لكن بلا أدوات تنفيذ
في مواجهة هذا التصعيد، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الأحد، على ضرورة “الانسحاب الفوري” لقوات الانتقالي من حضرموت والمهرة، معتبرًا ذلك “الخيار الوحيد لتطبيع الأوضاع”. غير أن هذه التصريحات تصطدم بواقع معقد، في ظل ضعف أدوات الدولة، واستمرار الدعم الخارجي للميليشيات.
ويرى محللون أن استمرار الصمت الدولي إزاء الدور الإماراتي، والتعامل مع الانتقالي كأمر واقع، يشجع على مزيد من التمرد المسلح، ويقوّض أي فرصة حقيقية لاستعادة الدولة.
أبين… ساحة جديدة لصراع قديم
في المحصلة، تبدو عملية “الحسم” في أبين أقل ارتباطًا بمكافحة الإرهاب، وأكثر ارتباطًا بتكريس نفوذ ميليشيا مدعومة خارجيًا، تستخدم الأمن شعارًا، والانقسام مشروعًا، والسلاح أداة. ومع استمرار هذا المسار، يظل اليمنيون هم الخاسر الأكبر، في بلد أنهكته الحرب، وتتنازعه المشاريع الإقليمية، على حساب وحدته ومستقبله.
اقرأ أيضا : فيدان يحذر: إسرائيل تنفّذ مخططًا لإفراغ غزة من سكانها